اتفاق غرينلاند: انتصار دبلوماسي للدنمارك أم صفقة ترامبية؟
في تطور لافت يعيد رسم ملامح العلاقات عبر الأطلسي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق تاريخي مع الدنمارك وغرينلاند يمنح واشنطن “سيطرة دائمة” على أمن الجزيرة القطبية، في خطوة حظيت بترحيب واسع في كوبنهاغن ونوك، بينما اعتبرها محللون دنماركيون انتصاراً دبلوماسياً لمملكة الدنمارك أمام الإدارة الأميركية.
ما هو اتفاق غرينلاند الجديد بين أميركا والدنمارك؟
الاتفاق، الذي أُعلن الجمعة، يهدف إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي في غرينلاند مع إبقاء الجزيرة تحت السيادة الدنماركية، وإنهاء أشهر من التوتر الذي أعقب تهديدات ترامب المتكررة بالاستيلاء على الإقليم شبه المستقل. ومن المقرر أن يُوقَّع من قبل الحكومات الثلاث الأسبوع المقبل على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أن يخضع لاحقاً لموافقة برلماني الدنمارك وغرينلاند.
كيف استقبلت الدنمارك وغرينلاند الاتفاق؟
عبّر مواطنون دنماركيون وغرينلانديون عن ارتياحهم الواضح. وقال مايكل بورجارد من جنتوفتي شمال كوبنهاغن إنه يأمل أن تكون الأزمة قد انتهت، مشيراً إلى أن ترامب كان قد نشر قبل أسبوعين فقط خريطة تُظهر غرينلاند كجزء من أميركا. أما مايكل فريس، مدرس ثانوية يبلغ من العمر 51 عاماً، فوصف الاتفاق بأنه “الحل الأكثر واقعية لنا الآن”.
وفي غرينلاند، رحّب كبير الدبلوماسيين بالاتفاق ووصفه بأنه “طال انتظاره”. كما أكد رئيس حكومة غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، أن الاتفاق سيعود بالنفع “ليس على أمننا الجماعي فحسب، بل على التنمية المستدامة هنا في البلاد”.
ما هي أبرز بنود الاتفاق وتداعياته الاستراتيجية؟
يمنح الاتفاق الولايات المتحدة “سيطرة دائمة” على الأمن في غرينلاند، ويمنع روسيا والصين من إقامة قواعد في الإقليم الواقع في القطب الشمالي. وأكد ترامب أن إدارته ستبدأ “على الفور” عملية تطوير وجود عسكري أكبر على الجزيرة الغنية بالمعادن.
من جهته، كتب وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسين، على منصات التواصل: “الأسبوع المقبل يمكن أن يكون أسبوعاً جيداً بالنسبة لغرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة على حد سواء”، معرباً عن أمله في أن تنتهي حالة عدم اليقين باتفاق ملزم يعزز الأمن في منطقة القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، ويحترم “الخطوط الحمراء” لمملكة الدنمارك.
انتصار دبلوماسي أم هزيمة مدوّية؟
في قراءة تحليلية، يرى معلّقون دنماركيون أن الاتفاق يمثل انتصاراً دبلوماسياً لكوبنهاغن. وكتب ياكوب هاينل ينسن، مراسل الشؤون الأميركية في صحيفة “برلينغسكي”: “اصمتوا. لا تخبروا ترامب أن مملكة الدنمارك هي التي انتصرت”، مشيراً إلى أن الوزراء والدبلوماسيين نجحوا في تسويق الاتفاق لترامب باعتباره “انتصاراً شخصياً كبيراً”.
في المقابل، وصف تورستن ينسن، معلّق الشؤون الأميركية في قناة “تي في 2” الدنماركية، الاتفاق بأنه “هزيمة مدوّية” لترامب، مؤكداً أنه لم يحصل على أي شيء لم يكن في إمكانه تحقيقه عبر الدبلوماسية التقليدية، خاصة وأن واشنطن كانت قادرة أساساً على تعزيز وجودها العسكري بموجب اتفاق دفاعي يعود لعام 1951.
ويرى الباحث مارك ياكوبسن من الكلية الملكية الدنماركية للدفاع أن الاتفاق يبدو مفيداً للأطراف الثلاثة، مشيراً إلى أن ترامب “يستفيد من قدرته على الظهور بمظهر المنتصر”، خاصة في وقت يواجه فيه حرباً غير شعبية مع إيران وحرباً تجارية مع كندا. وأضاف أن الاتفاق يعني عملياً أن الحديث عن ضم غرينلاند “لم يعد مطروحاً”، معتبراً أن “مكسباً مهماً” لغرينلاند قد يتمثل في الحصول على تعويضات اقتصادية إضافية مرتبطة بتوسيع الوجود العسكري الأميركي.
ماذا يعني الاتفاق لمستقبل المنطقة والتحالفات الدولية؟
يُعد هذا الاتفاق خطوة محورية في إعادة تعريف الأمن في القطب الشمالي، حيث تتصاعد المنافسة الدولية على الموارد والطرق الملاحية. ومع ترحيب حلف الناتو بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه “موضع ترحيب كبير للغاية”، يبدو أن الدنمارك تمكنت من تحويل ضغوط ترامب إلى فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي داخل الحلف، مع الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها.
وبينما تبقى تفاصيل الاتفاق غير واضحة بالكامل، فإنه يعكس نهجاً براغماتياً في التعامل مع التحديات الجيوسياسية، ويؤكد أن الدبلوماسية الهادئة قد تنتصر حتى في أكثر الملفات تعقيداً. ومع اقتراب التوقيع الرسمي، يترقب العالم ما ستسفر عنه هذه الصفقة التي أعادت رسم التوازنات في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
أسئلة شائعة حول اتفاق غرينلاند
هل ستبقى غرينلاند تحت السيادة الدنماركية؟
نعم، أكدت الدنمارك أن الاتفاق لا يمس سيادتها على غرينلاند، وأن الجزيرة ستبقى تحت السيطرة الدنماركية مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي.
متى سيتم توقيع الاتفاق النهائي؟
من المقرر أن يُوقَّع الاتفاق الأسبوع المقبل خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أن يخضع لاحقاً لموافقة برلماني الدنمارك وغرينلاند.
ما هو موقف الناتو من الاتفاق؟
رحّب الأدميرال جوزيبي كافو دراجوني، رئيس اللجنة العسكرية للناتو، بالاتفاق ووصفه بأنه “موضع ترحيب كبير للغاية”، مؤكداً أنه سيعزز الأمن المشترك داخل الحلف.