هوت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل حاد خلال جلستي الخميس والجمعة الماضيين، في تحرك وصفه رئيس قسم إدارة الأصول والموجودات لدى «كابيتال للاستثمارات»، رائد المومني، بأنه رسالة قلق واضحة من الأسواق المالية العالمية، وسط تساؤلات متصاعدة حول ما إذا كانت الاقتصاد الأميركي يقترب من تباطؤ حاد أو ركود فعلي.
وأوضح المومني، في مقابلة مع «العربيةBusiness» نقلتها قناة العربية، أن سرعة التراجع وحدته خلال الأسبوع الماضي أمر غير معتاد، إذ إن تحركات من هذا النوع تظهر عادة في أوقات الاضطرابات الكبيرة، وقد تعكس أحياناً مخاوف من دخول الاقتصاد في مرحلة ركود.
تراجع مفاجئ رغم بيانات اقتصادية قوية
اللافت في المشهد، وفق المومني، أن التراجعات الحادة شملت عوائد السندات الحكومية الأميركية وسندات عدد من الاقتصادات المتقدمة، رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية جاءت أقوى من التوقعات. فقد ارتفع التضخم وفق بعض المؤشرات، وزادت أسعار الواردات، وظهرت قوة في مبيعات التجزئة، وتحسنت بيانات طلبات إعانة البطالة، بل وارتفعت أسعار النفط، وهي جميعها عوامل تدفع عادة نحو صعود العوائد لا هبوطها.
وأضاف أن غياب مؤشرات واضحة بشأن اتجاه أسعار الفائدة الأميركية، بالتزامن مع تصاعد المخاطر في الأسواق وتراجع أسهم شركات أشباه الموصلات (semiconductors) واضطرابات الأسواق الناشئة، دفع المستثمرين إلى تفضيل الملاذات الآمنة لحين اتضاح الرؤية.
قال رائد المومني: «السبب الوحيد الواضح، في تقديري، يتمثل في ارتفاع المخاطر في الأسواق المالية، ما دفع المستثمرين إلى التوجه نحو الملاذات الآمنة».
ولفت إلى أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ومن بينهم رئيسه، لم يصدروا إشارات واضحة إلى اتجاه أسعار الفائدة نحو الارتفاع قريباً، أو إلى احتمال رفعها في نهاية الشهر، ما عمّق حالة الانتظار التي تسيطر على قاعات التداول.
أسواق ناشئة تحت الضغط
شهدت الأسواق العالمية اضطرابات واسعة خلال الأسبوع الماضي، سواء في أسهم شركات أشباه الموصلات أو في الأسواق الناشئة، وبخاصة إندونيسيا وتركيا اللتين سجلتا تراجعات حادة. ويرى المومني أن المستثمرين يفضلون حالياً الاحتفاظ بأصول أكثر أماناً إلى أن تتضح الصورة.
لماذا هبطت عوائد السندات طويلة الأجل رغم العجز الأميركي؟
العجز في الموازنة الأميركية ليس أمراً جديداً، كما يشير المومني، بل هو معروف للأسواق ومتوقع منذ فترة. ويفترض منطقياً أن يؤدي ارتفاع العجز وأعباء خدمة الدين إلى ضغوط صعودية على عوائد السندات، خصوصاً طويلة الأجل، لأن المستثمرين يطالبون عادة بعائد أعلى لتعويض مخاطر التمويل والاقتراض.
لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً. فقد تراجعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 17 نقطة أساس، ولأجل 10 سنوات بنحو 15 نقطة أساس، وكانت التراجعات في الآجال الطويلة أكبر منها في الآجال القصيرة. وتشير هذه التراجعات، وفق المومني، إلى مخاوف عميقة في الأسواق، إذ اتجه المستثمرون إلى سندات الخزانة الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً، رغم المخاوف المرتبطة بالعجز المالي وارتفاع الدين الحكومي.
كابيتال للاستثمارات تزيد مراكزها في السندات
على مستوى الاستراتيجية، كشف المومني أن «كابيتال للاستثمارات» كانت في الفترة الماضية تزيد استثماراتها في السندات، مع التركيز على الآجال القصيرة والمتوسطة، وبمراكز أقل في الآجال الطويلة. وترى الشركة أن مستويات العائد الحالية أصبحت مغرية بصورة أكبر مقارنة بالمخاطر.
ورجح أن يكون مستثمرون آخرون حول العالم يتبنون التوجه نفسه، مع ارتفاع العوائد إلى مستويات تجعل السندات أكثر جاذبية من الناحية الاستثمارية.
إصدارات الصكوك والسندات الخليجية تواصل حضورها
في ظل الاضطرابات الحالية، يتوقع المومني تراجعاً طبيعياً في وتيرة الإصدارات الكبيرة، ليس في المنطقة فحسب، بل على مستوى الأسواق العالمية أيضاً. ومع ذلك، سجلت منطقة الخليج تطورات لافتة خلال الأسبوع الماضي، تصدّرتها إصدارات إماراتية بارزة.
فقد أصدر بنك الإمارات الإسلامي صكوكاً لأجل خمس سنوات بعائد يقارب 6.8%، وهو عائد مغري بالنظر إلى التصنيف الائتماني للمصدر وقوة مركزه الائتماني، كما أصدر بنك أبوظبي الأول سندات مقومة بالدرهم الإماراتي لأجل ثلاث سنوات بعائد يقارب 5.75%.
وأوضح المومني أن الإصدار المقوم بالدرهم يمكن تسويته عبر منصة «يوروكلير» (Euroclear)، بما يتيح للمستثمرين الأجانب الوصول إلى هذا النوع من الأدوات الاستثمارية، وهو تطور يعزز انفتاح السوق المالية الإماراتية على رؤوس الأموال الدولية.
تنويع العملات: استراتيجية إماراتية طموحة
في مؤشر لافت على تنامي التوجه نحو تنويع العملات في إصدارات الدين، أصدر بنك المشرق سندات مقومة باليوان الصيني بعائد 2.5%. ويظهر هذا التطور مفارقة مثيرة، إذ تأتي تكلفة التمويل باليوان الصيني عند مستويات منخفضة مقارنة بالأسواق العالمية، بينما تظل أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة إلى أعلى مستوى منذ عام 2022.
وخلص المومني إلى أن ثمة توجهاً واضحاً في الإمارات نحو تنويع عملات الإصدارات وعدم الاقتصار على الدولار الأميركي، وهو مسار يعكس نضجاً متزايداً في إدارة الدين، ويعزز موقع الدولة كمركز مالي عالمي يوفر للمستثمرين خيارات متعددة بعملات متنوعة.
أسئلة شائعة
ماذا يعني تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية؟
يعني التراجع ارتفاع أسعار السندات نتيجة إقبال المستثمرين على شرائها كملاذات آمنة، وهو ما يحدث عادة عند تصاعد مخاوف تباطؤ الاقتصاد أو دخوله في ركود.
كم بلغ تراجع عوائد السندات الأميركية خلال الأسبوع الماضي؟
تراجعت عوائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو 17 نقطة أساس، ولأجل 10 سنوات بنحو 15 نقطة أساس، وفق رائد المومني من «كابيتال للاستثمارات».
ما أبرز إصدارات السندات والصكوك الإماراتية الأخيرة؟
أصدر بنك الإمارات الإسلامي صكوكاً لخمس سنوات بعائد يقارب 6.8%، وأصدر بنك أبوظبي الأول سندات بالدرهم لثلاث سنوات بعائد يقارب 5.75%، وأصدر بنك المشرق سندات باليوان الصيني بعائد 2.5%.
