ترامب يضيق الخناق على نتنياهو وغزة تعيد رسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية
في مشهد دبلوماسي معقد، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه محاصراً بين مطرقة خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة وسندان ائتلافه اليميني المتشدد. فبينما يعلن رفضه العلني للانسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل، تخفض قواته عملياتها العسكرية تحت الضغط الأميركي، في اختبار حقيقي لحدود نفوذ واشنطن وقدرة تل أبيب على المناورة مع اقتراب انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر.
خريطة طريق جديدة: انسحاب مرحلي مقابل نزع سلاح
تتضمن الخطة الأميركية انسحاباً إسرائيلياً مرحلياً مقابل نزع سلاح الفصائل، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ونشر قوة دولية مؤقتة لدعم الاستقرار وتدريب شرطة فلسطينية وتأمين المساعدات. وتستند هذه الترتيبات إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر عام 2025، الذي أقر إدارة انتقالية للقطاع تحت إشراف 'مجلس السلام' برئاسة ترامب نفسه.
ويرى كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي يوحنان تسوريف أن قراءة موقف نتنياهو تبدأ من علاقته الشخصية بترامب، مرجحاً وجود تفاهمات غير معلنة تسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بالاعتراض أمام جمهوره من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن. وقال تسوريف إن الخطة تثير مخاوف واسعة داخل إسرائيل لأنها لا تقدم ضمانات كافية بشأن اختفاء حماس قوة عسكرية أو تدمير الأنفاق.
التكنوقراط الفلسطيني: اختبار الطاعة لواشنطن
يعتبر تسوريف أن دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة سيكون الاختبار الفاصل لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل بدأت تنفيذ خطة ترامب بالفعل. فإذا دخلت اللجنة، سيعني ذلك بدء انتقال إدارة القطاع إلى جهة فلسطينية جديدة، وقبول إسرائيل، ولو جزئياً، بالتصور الأميركي. وتكمن صعوبة الخطوة في أنها لا تتعلق بإدارة الخدمات وحدها، بل تفتح الطريق أمام نشر قوات الاستقرار الدولية وتدريب شرطة فلسطينية.
ويزداد تعقيد المشهد مع اقتراب انتخابات الكنيست، إذ يخشى نتنياهو أن تتحول أي تنازلات في غزة إلى سلاح انتخابي بيد اليمين المتطرف، وأن تهدد تماسك ائتلافه الحكومي. لكن المعارضة لا توفر له مخرجاً سهلاً، فهي تتهمه بإطالة الحرب وإضاعة فرص سابقة للإفراج عن المحتجزين، لكنها تشاركه القلق بشأن مصير سلاح حماس.
نتنياهو يبحث عن طوق نجاة انتخابي
من جهته، يقدم الخبير في الشؤون الأمنية والسياسية عدنان الضميري قراءة أكثر حدة، معتبراً أن بقاء نتنياهو في السلطة بات المحرك الأساسي لمواقفه. ويرى الضميري أن ميزان القوى تغير بعد إنشاء 'مجلس السلام' برئاسة ترامب، إذ باتت واشنطن تمتلك الخطة والغطاء الدولي وآليات التنفيذ والتمويل، بينما تقلصت قدرة إسرائيل على رفض المشروع بالكامل.
ووصف الضميري نتنياهو بأنه أصبح أشبه بـ'رئيس شركة أمنية يملكها ترامب'، مشيراً إلى أنه قد يعترض في العلن لكنه يطبق أجزاء من الخطة على الأرض، اعتماداً على أن الرئيس الأميركي يتسامح مع الخطاب الانتخابي ما دام التنفيذ مستمراً.
ويبقى الاختبار الحاسم مرتبطاً بمن سيحكم غزة فعلياً. فإذا دخلت لجنة التكنوقراط وانتشرت قوات الاستقرار وبدأ الانسحاب الإسرائيلي، يكون نتنياهو قد رضخ لخطة ترامب رغم اعتراضاته. أما إذا بقيت اللجنة خارج القطاع، فسيعني ذلك أن واشنطن سمحت للحسابات الانتخابية الإسرائيلية بتجميد مشروعها.
هل تستطيع غزة قلب الموازين الانتخابية؟
حتى ذلك الحين، سيواصل نتنياهو المناورة بين رفض الخطة في العلن وتنفيذها بالتقسيط، لكن قدرته على شراء الوقت تتراجع. فغزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت اختباراً لحدود نفوذ ترامب ومصير ائتلاف نتنياهو معاً، في لعبة دبلوماسية معقدة قد تعيد رسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية.