الأردن في مرمى النيران الإيرانية: استراتيجية دفاع هادئة في وجه عاصفة التصعيد
منذ التاسع من يوليو الجاري، يواجه الأردن موجة غير مسبوقة من الهجمات الإيرانية المباشرة، حيث اعترضت القوات المسلحة الأردنية وأسقطت 56 صاروخا باليستيا و13 طائرة مسيرة، في حصيلة هجمات غير مسبوقة خلال 14 يوما فقط. هذه الهجمات، التي لم تعد عابرة نحو إسرائيل بل تستهدف مواقع داخل الأراضي الأردنية، تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المملكة قد أصبحت طرفا في الحرب الإقليمية، أم أنها تنجح في الحفاظ على توازن دقيق بين الردع الدفاعي والدبلوماسية الحذرة.
استراتيجية عسكرية هادئة ورادعة
اعتمدت القوات المسلحة الأردنية، بحسب مراقبين، استراتيجية عسكرية توصف بـ"الهادئة والرادعة"، تركز على الرد الدفاعي وحماية السيادة، دون الخروج عن إطار السياسة الدفاعية. هذه الاستراتيجية تقابلها إدارة سياسية دبلوماسية نشطة، بينما تحاول تصريحات منسوبة للحرس الثوري الإيراني إثارة الشارع الأردني عبر التشكيك في التماسك الداخلي.
اتفاقية التعاون الدفاعي: حقائق لا ادعاءات
تسعى التصريحات الإيرانية إلى تبرير ضرباتها بوجود قواعد أمريكية في الأردن، وهو ما تنفيه الحكومة الأردنية وقيادة الجيش مرارا. وتوضح عمّان أن وجود قوات أمريكية يتم بموجب اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة في يناير 2021، والتي تنص على أن وجود القوات الأمريكية يساهم في تعزيز أمن واستقرار الأردن والمنطقة. وتشمل الاتفاقية 11 موقعا رئيسيا، من بينها قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، وتنظم حق الوصول للقيام بأنشطة تدريب ومناورات وعبور، وفق اتفاق الطرفين.
استفزازات إيرانية وتشكيك في النوايا
يرى عضو مجلس الأعيان الأردني عمر العياصرة أن التصريحات الإيرانية حول "اختراق" معلوماتي عبر بلاغات أردنيين هي "محاولة يائسة" لتصنيف الجمهور الأردني بأنه متعاطف مع إيران. ويضيف العياصرة في حديثه لـ CNN بالعربية أن إيران لا تزال ترى في أزمة مضيق هرمز واستهداف دول الخليج والأردن جزءا من قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة. ويؤكد أن الأردنيين يرفضون قصف أراضيهم، وينظرون إلى العلاقة مع الولايات المتحدة كمسألة سيادية.
هل الأردن جزء من الحرب؟
يرى الخبير الأمني والاستراتيجي عمر الرداد أن الأردن ليس جزءا من الحرب حتى اللحظة، وربما دول الخليج أقرب إلى ذلك. ويضيف أن الأردن لا ينكر علاقاته الاستراتيجية مع أمريكا، لكنه لا يزال يصنف نفسه كدولة محايدة. ويشير الرداد إلى أن استهداف إيران لقاعدة الحسن الجوية وقاعدة الأزرق وقاعدة موفق السلطي يؤكد أن الهدف النهائي للصواريخ والمسيرات هو الأردن نفسه، وليس إسرائيل.
تهديد عالي المستوى واستعدادات شاملة
يواجه الأردن اليوم "تهديدا عالي المستوى"، بحسب الرداد، مع توسع كمي ونوعي وجغرافي في الاستهدافات الإيرانية. وتتوقع المصادر أن يؤدي دخول إسرائيل إلى المواجهة بشكل مباشر إلى انعكاسات على مستوى وحجم الاستهداف للأردن. وتستعد المملكة لمختلف السيناريوهات المحتملة، مع خطط دفاعية واسعة تضمن استمرار المواجهة الدفاعية.
الدبلوماسية الأردنية: احتواء وتحييد للخطر
تواصل الإدارة السياسية الأردنية تنسيقها مع دول المنطقة، خاصة السعودية والحلفاء وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مع إدانة الاعتداءات والحفاظ على كفاءة القوات المسلحة. ويشير العياصرة إلى أن استدعاء القائم بأعمال السفير الإيراني في عمّان دون إنهاء العلاقات الدبلوماسية يندرج في نطاق مساعي الاحتواء وتحييد الخطر، رغم تصاعد الاستفزازات.
السيناريوهات المستقبلية: بين التفاوض والتصعيد
يرجح المراقبون أن أي انعطافة استراتيجية في الموقف الأردني ستكون جماعية، مع تطلع المجموعة العربية إلى العودة إلى مسار التفاوض. ويشير الرداد إلى أن احتمالات التوصل إلى تفاهم في الوقت الراهن تبدو محدودة، في ظل انقسام داخل إيران بين المستوى السياسي والحرس الثوري الذي يرفض أي اتفاقيات، انطلاقا من مرجعيته الأيديولوجية الرافضة للتفاوض مع "الشيطان الأكبر".
خلاصة: الأردن في قلب العاصفة
يبقى الأردن في موقع حساس، يوازن بين الردع العسكري والدبلوماسية الحذرة، في مواجهة تهديد إيراني متصاعد. ومع استمرار التصعيد، تبقى المملكة نموذجا للاستقرار في منطقة مضطربة، معتمدة على شراكاتها الاستراتيجية وكفاءة جيشها في حماية سيادتها.