النينيو يدخل مرحلة قوية جدا: هل نشهد صيفا أكثر حرارة في 2027؟
بينما يلتهم الحر القياسي مساحات شاسعة من الكوكب، وتضرب موجات حر متلاحقة أوروبا وآسيا، يبرز سؤال علمي ملح: ماذا لو لم يكن صيف 2026 هو ذروة ما ينتظر العالم؟ تشير أحدث التوقعات إلى أن ظاهرة النينيو، القادرة على تغيير أنماط الحرارة والأمطار عالميا، تتجه نحو مرحلة أكثر قوة خلال الأشهر المقبلة. هذا لا يعني أن 2027 سيكون بالضرورة العام الأكثر سخونة على الإطلاق، لكنه يعني أن عاملا طبيعيا معروفا بقدرته على رفع متوسط حرارة الكوكب يتعزز في وقت أصبحت فيه درجات الحرارة الأساسية مرتفعة بالفعل بفعل تغير المناخ. في هذا التقرير، نستعرض أحدث المعطيات العلمية حول النينيو، وتداعياته المحتملة على الغذاء والمياه والطاقة، ولماذا يجب على العالم الاستعداد لمرحلة مناخية أكثر تطرفا.
عالم حار قبل اشتداد النينيو
المفارقة أن صيف 2026 جاء حارا بصورة استثنائية حتى قبل وصول النينيو إلى قوته المتوقعة. فبحسب خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ (Copernicus Climate Change Service)، كان يونيو 2026 ثاني أكثر أشهر يونيو حرارة على مستوى العالم، بينما سجلت غرب أوروبا أحر يونيو في تاريخها المسجل. كما سجلت حرارة سطح المحيطات خارج المناطق القطبية أعلى مستوى مسجل لشهر يونيو. وفي أغسطس، قالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) إن موجات الحر الشديد أصبحت أكثر تكرارا وشدة وأطول أمدا، وتغطي مناطق أوسع مقارنة بالمناخ الأكثر برودة في العقود الماضية. لكن النينيو ليس التفسير الوحيد لهذا الحر. فقد أوضحت المنظمة أن موجات الحر في أوروبا ترتبط بتفاعل الاحترار المناخي مع أنظمة الضغط المرتفع التي تحبس الهواء الساخن، إضافة إلى ارتفاع حرارة البحار وجفاف التربة.
النينيو يدخل مرحلة أقوى: ماذا يعني ذلك؟
النينيو (El Niño) هو الطور الدافئ من ظاهرة مناخية دورية تنشأ في المحيط الهادئ الاستوائي، عندما ترتفع حرارة سطح المياه في وسط وشرق المحيط بصورة غير اعتيادية. تأثيره لا يبقى محصورا في المحيط الهادئ، بل يعيد تشكيل أنماط الأمطار والحرارة والرياح على مسافات هائلة. وتقول المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في أحدث تحديثاتها إن نينيو قويا يتطور حاليا، ومن المتوقع أن يواصل الاشتداد خلال أغسطس وأكتوبر 2026. وتذهب التوقعات الأميركية الصادرة عن مركز التنبؤات المناخية التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في الاتجاه نفسه، مع احتمال يبلغ 97 بالمئة لاستمرار الظاهرة حتى أوائل ربيع 2027. والأكثر لفتا أن أحدث تقديرات المركز تشير إلى احتمال يبلغ 81 بالمئة لأن يصل النينيو إلى مستوى قوي جدا خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026.
هل يعني ذلك أن الحرارة ستقفز؟
هنا يصبح الحذر ضروريا. النينيو يميل إلى رفع متوسط حرارة سطح الأرض عالميا، لكنه لا يعمل مثل مفتاح يؤدي تشغيله إلى موجة حر في كل مكان. فقد تصبح منطقة أكثر سخونة وجفافا، بينما تشهد أخرى أمطارا غزيرة، وقد تكون بعض المناطق أبرد من المعتاد. لذلك، لا يستطيع العلماء الجزم من الآن بأن صيف 2026 سيكون أقل حرارة مما سيأتي بعده، ولا يمكن التأكيد على أن 2027 سيحطم الرقم القياسي العالمي للحرارة. لكن اجتماع نينيو قوي مع كوكب أصبح أكثر سخونة هو ما يثير الاهتمام العلمي. فالنينيو ظاهرة طبيعية حدثت مرات عديدة في الماضي، لكن مستوى الحرارة الذي تبدأ منه الظاهرة اليوم أعلى بفعل عقود من الاحترار الناتج أساسا عن الانبعاثات البشرية. وهذا يعني أن الدفعة الحرارية المؤقتة التي يمكن أن يضيفها النينيو تأتي فوق خلفية مناخية أكثر حرارة أصلا.
الخطر ليس الحرارة وحدها: تداعيات على الغذاء والمياه
قد تكون بعض أخطر تداعيات النينيو بعيدة عن موازين الحرارة. فتغير أنماط الأمطار يمكن أن يؤثر في المحاصيل وإمدادات المياه والطاقة، ويرفع مخاطر الجفاف أو الفيضانات في مناطق مختلفة. هذا الشهر، حذر برنامج الأغذية العالمي (WFP) من أن نينيو شديد القوة قد يدفع نحو 49 مليون شخص إضافي إلى مواجهة انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول نهاية 2027 في 45 دولة اعتبرها البرنامج عرضة لتداعيات الظاهرة. ومن بين المناطق التي يراقبها البرنامج جنوب القارة الأفريقية وأميركا الوسطى وأجزاء من أميركا الجنوبية والكاريبي، إذ يمكن للجفاف واضطراب مواسم الأمطار أن يتحولا بسرعة من مشكلة مناخية إلى أزمة غذاء وأسعار.
هل الأسوأ لم يأت بعد؟
الإجابة العلمية الأقرب هي: لا أحد يستطيع الجزم بذلك بعد. ما يعرفه العلماء هو أن موجات الحر أصبحت أكثر شدة وتكرارا مع ارتفاع حرارة الكوكب، وأن النينيو يتجه إلى الاشتداد خلال الأشهر المقبلة. أما الطريقة التي سيتفاعل بها الاثنان، والمناطق التي ستدفع الثمن الأكبر، فلا تزال خاضعة للتوقعات والتحديث المستمر. لذلك فإن وصف صيف 2026 بأنه مجرد مقدمة سيكون أكثر جزما مما تسمح به الأدلة الحالية. لكن الصورة العلمية تبرر سؤالا لا يقل قوة: إذا كان العالم يشهد كل هذا الحر قبل بلوغ النينيو ذروته المتوقعة، فماذا سيحدث عندما تشتد الظاهرة؟ الإجابة ستتضح خلال الأشهر المقبلة. أما المؤكد فهو أن النينيو هذه المرة لا يصل إلى كوكب بارد، بل إلى عالم أصبحت موجات الحر فيه أطول وأشد وأكثر اتساعا.
أسئلة شائعة حول النينيو وتأثيراته
ما هي ظاهرة النينيو؟
النينيو هي ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عندما ترتفع درجة حرارة سطح المياه في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير اعتيادي، مما يؤثر على أنماط الطقس عالميا.
هل النينيو مسؤول عن موجات الحر الحالية؟
ليس بشكل مباشر. موجات الحر الحالية ترتبط بتفاعل الاحترار المناخي مع أنظمة الضغط المرتفع، لكن النينيو يمكن أن يضيف دفعة حرارية إضافية فوق خلفية مناخية أكثر حرارة.
ما هي الدول الأكثر عرضة لتداعيات النينيو؟
بحسب برنامج الأغذية العالمي، تشمل المناطق الأكثر عرضة جنوب القارة الأفريقية وأميركا الوسطى وأجزاء من أميركا الجنوبية والكاريبي، حيث يمكن أن يؤدي الجفاف واضطراب الأمطار إلى أزمات غذائية.
متى تبلغ النينيو ذروتها المتوقعة؟
تشير التوقعات إلى أن النينيو قد تصل إلى مستوى قوي جدا خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026، مع استمرارها حتى أوائل ربيع 2027.