الفاو: السعودية تقود عصر الأمن المائي عبر 5 ركائز استراتيجية
في مشهد يعكس طموحاً لا يعرف الحدود، تواصل السعودية رسم ملامح مستقبلها المائي بإرادة صلبة ورؤية استشرافية. فبينما تتسارع وتيرة الاستثمار في تقنيات توطين المياه، يصف مسؤول رفيع في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) التجربة السعودية بأنها “سبق حقيقي” في مشروعات الأمن المائي، مؤكداً أن المملكة أصبحت نموذجاً يحتذى في منطقة تعاني من ندرة الموارد المائية.
ما هي المعطيات الخمسة التي تعزز الأمن المائي السعودي؟
الدكتور نزار حداد، المدير العام لبرنامج الفاو في المملكة، كشف في حديث خاص لـ “العربية.نت” عن خمسة معطيات رئيسية تقف خلف هذا النجاح اللافت. أولها خفض تكلفة الطاقة المستخدمة في تحلية المياه، وهو إنجاز تقني يضع السعودية في طليعة الدول المبتكرة في هذا المجال. ثانيها تكثيف مشروعات الحصاد المائي، بما في ذلك بناء السدود وتغذية المياه الجوفية، إضافة إلى تقنية “الحصاد المائي الأخضر”، وهي حلول مستدامة لجمع مياه الأمطار وإعادة استخدامها لدعم الزراعة وتعزيز النظم البيئية.
أما المعطيات الثلاثة المتبقية فتشمل التحول التدريجي عن استخدام المياه الجوفية في الزراعة كلما أمكن ذلك، وتعزيز استخدام المياه المعالجة والمجددة كبديل ذكي، إضافة إلى تطوير البنية التحتية لنقل وتخزين المياه المحلاة. هذه الاستراتيجية المتكاملة لا تعالج تحديات اليوم فحسب، بل تبني أساساً متيناً لمستقبل مائي مستدام.
توطين صناعة المياه: نقلة نوعية من الاستيراد إلى التصنيع
في خطوة تعكس فلسفة التمكين الذاتي، أطلقت السعودية برنامج “توطين الصناعات والخدمات المائية”، الذي يضم 18 فرصة استثمارية لتوطين 18 مكوناً أساسياً تمثل نحو 90% من صناعة المياه. هذا البرنامج الطموح ينقل القطاع من مجرد تأمين المنتجات إلى امتلاك القدرة على تصنيعها وتطويرها داخل البلاد، مما يعزز السيادة التقنية والاقتصادية.
وتنظر الرياض إلى البحر كمورد استراتيجي لا ينضب، حيث تبلغ السعات المتاحة لإنتاج المياه المحلاة للقطاعين العام والخاص نحو 11.88 مليون متر مكعب يومياً، تغذي معظم المناطق والمدن الرئيسية. وبحسب تقرير الهيئة السعودية للمياه للعام المنصرم، وصلت نسبة الخزن الاستراتيجي إلى 30 مليون متر مكعب، في حين تتجاوز قدرات نقل المياه المحلاة 17.2 مليون متر مكعب يومياً.
كيف تساهم المبادرات الخضراء في حماية البيئة وتحسين جودة الحياة؟
لا يمكن فصل ملف الأمن المائي عن التحديات المناخية، وهنا تبرز ريادة السعودية في صياغة مبادرات دولية نوعية. فمبادرتا “السعودية الخضراء” و”الشرق الأوسط الأخضر” ليستا مجرد برامج بيئية، بل معايير جديدة للريادة البيئية محلياً وعالمياً. ويؤكد الدكتور حداد أن “خطوات السعودية في حماية الطبيعة عبر هذه البرامج مسألة مهمة لاستصلاح الأراضي داخل المدن أو محيطها”.
ويضيف: “في محيط المدن، كلما زادت المساحات المستصلحة أو التي جرى إعادة إحياؤها وحمايتها، تساعد على تخفيض كميات العواصف الرملية التي تؤثر على صحة الإنسان. فهناك عائد ليس بالضرورة مالياً مباشراً، بل عائد على صحة الإنسان والطبيعة وخفض درجات الحرارة، وجميعها تساهم في تحسين جودة الحياة”.
تدهور الأراضي: تحدٍ إقليمي يستدعي حلولاً جذرية
يشير الدكتور حداد إلى أن معظم أراضي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والجزيرة العربية، بما فيها السعودية، تقع ضمن الأراضي الجافة، وأن سرعة تدهورها عالية جداً في المنطقة. ويعزو ذلك إلى جملة أسباب تشمل الزحف العمراني وأنشطة النقل والرعي الجائر.
وتؤكد الفاو أن الأراضي أساسية لإنتاج الأغذية والحفاظ على التنوع البيولوجي والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، فهي “الشريك الصامت” في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، من القضاء على الفقر إلى صقل الإجراءات المناخية.
ما هو موقف الفاو من التغير المناخي والأمن الغذائي؟
يشدد الدكتور حداد على أن معالجة أزمات التغير المناخي تستوجب تضافر الجهود الدولية، إذ تعاني بعض الدول من ارتفاع درجات الحرارة، بينما تواجه أخرى زيادة في الهطول المطري وتشكل الفيضانات، في حين تشهد دول ثالثة انخفاضاً في موسم الهطول أو إزاحة كاملة له. وتقول تقارير الفاو إن تغير المناخ يهدد “قدرتنا على تحقيق الأمن الغذائي العالمي واستئصال الفقر وتحقيق التنمية المستدامة”، بسبب تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على النظم الزراعية والغذائية.
في هذا السياق، تبرز السعودية كقوة استقرار إقليمي وعالمي، تقدم حلولاً مبتكرة تجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الحكمة التقليدية والتقنيات المتطورة. إنها رؤية لا تكتفي بمواجهة التحديات، بل تحولها إلى فرص للنمو والازدهار، في نموذج يلهم المنطقة والعالم.