الذهب المصري بين فخ FOMO وترقب الهبوط: سلوك المستثمرين يقلب المنطق
في سوق الذهب المصري، يتكرر مشهد متناقض: مع كل موجة صعود، يندفع المشترون لشراء المعدن الأصفر بشراهة، بينما مع الهبوط، يتراجعون منتظرين المزيد من الانخفاضات. هذه الظاهرة، التي يصفها الخبراء بـ'فخ FOMO' (الخوف من فوات الفرصة)، تكشف عن تحول جذري في سلوك المستثمرين، حيث يتحكم الخوف والترقب في قراراتهم بدلاً من المنطق الاقتصادي التقليدي.
لماذا يشتري المصريون الذهب عند الصعود ويتراجعون عند الهبوط؟
قبل نصف عام فقط، في نهاية يناير 2026، كانت محال الذهب في مصر مكتظة بالمشترين، رغم وصول سعر الغرام (عيار 21) إلى أكثر من 7 آلاف جنيه لأول مرة. اضطر التجار إلى إعداد قوائم انتظار تمتد 30 يوماً. لكن مع هبوط الذهب تدريجياً من ذروته في فبراير (7500 جنيه للغرام) إلى 5660 جنيهاً في نهاية الربع الثاني، هدأت وتيرة الشراء بشكل ملحوظ، خاصة على المشغولات.
هذا السلوك، الذي يعتبره البعض مخالفاً للمنطق الاستثماري، يعود إلى عوامل نفسية وسلوكية، أبرزها FOMO عند الصعود، وترقب المزيد من التراجعات عند الهبوط. يقول رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، هاني ميلاد: 'تراجع أسعار الذهب كان أحد الأسباب الرئيسية وراء انخفاض الإقبال على الشراء. سلوك المستهلكين تحكمه عوامل نفسية، إذ يزداد الإقبال مع ارتفاع الأسعار خشية استمرار الصعود، بينما يتراجع الطلب عند الهبوط انتظاراً لاستقرار السوق'.
كيف يؤثر 'تأثير الزخم' على قرارات المستثمرين؟
في علم النفس السلوكي، يسمى ذلك 'تأثير الزخم' (Momentum Bias)، حيث يفترض الناس أن الاتجاه الحالي سيستمر. يقول سعيد إمبابي، رئيس منصة آي صاغة لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت: 'مع تراجع سعر الذهب من 7000 إلى 5000 جنيه للغرام، لا يرى المستثمرون خصماً في السعر، بل يركزون على الاتجاه الذي قد يصبح 4000 الأسبوع التالي'.
هذا التوجه يعزز نظرية علماء النفس السلوكي، دانيال كانيمان وأموس تفرسكي، اللذين أثبتا أن ألم الخسارة أكبر نفسياً من متعة الربح. وبالتالي، فإن حساب المخاطرة يأخذ حيزاً أكبر في التفكير من الربح.
بيانات مجلس الذهب العالمي: انخفاض المشتريات رغم انخفاض الأسعار
أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي انخفاض مشتريات المصريين من الذهب خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 3.5% على أساس سنوي، لتسجل 11.1 طن مقابل 11.5 طن. كما انخفضت مشتريات المشغولات الذهبية 14% إلى 4.9 طن، بينما ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية 5% إلى 6.2 طن.
ويشير إمبابي إلى أن السنوات الأخيرة شهدت دخول شريحة جديدة من المستثمرين، يقارنون بين عوائد الذهب والشهادات البنكية والعقارات. ومع تراجع وتيرة صعود الذهب، اتجه جزء منهم إلى بدائل استثمارية أخرى أو فضّل الانتظار.
المصانع تختلف: الطلب الفعلي ينمو
على الجانب الآخر، يرى رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية، إيهاب واصف، أن مؤشرات البيع والشراء الفعلية تشير إلى نمو الطلب خلال الأشهر الستة الماضية. ويقول: 'هناك تسارع ملحوظ على شراء الذهب في الأشهر الثلاثة الأخيرة، خاصة على المشغولات الذهبية، فيما تراجع الإقبال على السبائك والعملات'.
قفزت واردات مصر من الذهب الخام ونصف المشغول إلى أكثر من 4 مليارات دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 249.6 مليون دولار في الفترة المماثلة من 2025، بنمو يتجاوز 1500%. في المقابل، انخفضت صادرات الذهب المصرية 43% إلى 2.2 مليار دولار.
إلى أين يتجه الطلب على الذهب في النصف الثاني من 2026؟
يتفق ميلاد وإمبابي على أن مستقبل الذهب سيظل مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية: توجهات السياسة النقدية الأميركية، وتطورات الأوضاع الجيوسياسية العالمية، وحركة سعر الدولار. ويشير ميلاد إلى أن استقرار هذه العوامل قد يمهد لعودة الأسعار إلى الارتفاع، متوقعاً أن يتجاوز سعر غرام الذهب عيار 21 مستوى 7 آلاف جنيه بنهاية العام.
ويضيف: 'حركة الأسعار صعوداً من 6 آلاف إلى 7 آلاف جنيه ستكون في حد ذاتها محفزاً لنشاط السوق وزيادة معدلات الطلب خلال النصف الثاني من العام'.
الخلاصة: الذهب بين المنطق والعواطف
سوق الذهب المصري يقدم درساً في السلوك البشري: حيث لا يتصرف الناس وفق المنطق الاقتصادي البحت، بل وفق توقعاتهم للمستقبل. ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى السؤال: هل سيعود المستثمرون إلى الشراء مع أي ارتفاع جديد، أم أن فخ FOMO سيستمر في السيطرة على قراراتهم؟
في النهاية، يظل الذهب ملاذاً آمناً، لكن الطريق إليه يمر عبر فهم أعمق للعوامل النفسية التي تحرك السوق.