بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب مدمرة، يواجه قطاع غزة ما وصفته الأمم المتحدة بـ«أشد أزمة اقتصادية مسجلة في العالم»، مع أضرار مادية مباشرة تقدر بـ35.2 مليار دولار، وتكلفة إجمالية للتعافي وإعادة الإعمار تتجاوز 71.4 مليار دولار على مدى العقد المقبل، وفق أحدث تقييم مشترك للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
أرقام الانهيار: من الإنتاج إلى البنية التحتية
تؤكد تقارير «أونكتاد» والبنك الدولي انهيار الشرايين الأساسية للاقتصاد في القطاع، حيث تعرضت 92% من المنشآت الاقتصادية للضرر أو التدمير الكلي، وانكمش الناتج الزراعي والصناعي بنسبة 94%، وانهار قطاع البناء بنسبة 99% مقارنة بمستويات 2022.
وفي قطاع الإسكان، دُمر أو تضرر نحو 90% من المنازل، ما أدى إلى نزوح 1.9 مليون شخص، في حين خرجت أكثر من 90% من أصول شبكة الكهرباء ونصف المستشفيات عن الخدمة. كما هبط نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي إلى 212 دولاراً سنوياً (0.58 دولار يومياً)، واستقرت البطالة عند مستويات قياسية بين 78% و85%، مع انخفاض نسبة العاملين إلى أقل من 10% من السكان.
وبقيت الأسعار أعلى بنسبة 274% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مما دفع مجمل سكان القطاع إلى الوقوع تحت خط الفقر متعدد الأبعاد.
لماذا يتعثر التمويل الدولي لإعادة الإعمار؟
رغم التعهدات الدولية المبدئية بـ18 مليار دولار لإعادة الإعمار، لم يُسلّم منها سوى 280 مليون دولار فقط حتى الآن، في ظل «إرهاق تمويلي» لدى القوى الدولية نتيجة استنزاف الموازنات في أزمات متزامنة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى احتياجات الإعمار في لبنان وسوريا، بالتزامن مع تراجع معدلات النمو الإقليمية.
وفي تصريحات خاصة لـ«سكاي نيوز عربية»، حذر الخبير الاقتصادي الفلسطيني الدكتور سمير حليلة من أن «المراهنة الكاملة على المساعدات الخارجية المؤجلة بانتظار الترتيبات السياسية والأمنية تُعد استراتيجية قاتلة»، مشدداً على أن رهن مصير القطاع بقرارات المعابر والاشتراطات الدولية سيعمق المعاناة الإنسانية. كما أشار إلى أن إطلاق مؤتمر دولي للمانحين اصطدم بشرط إسرائيلي يربط بدء الإعمار بالتجريد الكامل للسلاح، وهو شرط يواجه تعقيدات ميدانية وسياسية حادة.
روشتة حليلة: «مبادرة اعتماد على الذات»
يرفض الدكتور حليلة الطروحات التي تتحدث عن استيراد عمالة خارجية لمشاريع البناء، مؤكداً أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون لتشغيل مئات الآلاف من العمال الغزيين الذين فقدوا مصدر رزقهم، لضخ الأجور داخل الاقتصاد المحلي وتدوير السيولة. ودعا إلى تدشين «مبادرة اعتماد على الذات» تبدأ فوراً عبر خطوات إنتاجية أولية داخلية:
- دعم قطاع الصيد البحري بتوفير قوارب الصيد والمعدات الأساسية فوراً لتوفير مصدر بروتين عاجل.
- الإنعاش الزراعي عبر استصلاح الأراضي القابلة للزراعة لتأمين الحد الأدنى من الأمن الغذائي.
- ترميم الصناعات الأولية وإعادة تشغيل المخابز ومصانع الألبان والورش الصغيرة لتأمين الاحتياجات اليومية.
نموذج اقتصادي جديد: نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
ويرى حليلة أن القطاع يقف أمام «فرصة تاريخية» لإعادة تصميم اقتصاده كلياً والانفكاك عن النموذج التقليدي القديم، عبر التحول نحو اقتصاد حديث قائم على الخدمات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومشاريع الطاقة المتجددة والحلول البيئية، وإعادة الربط العضوي بين اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارهما سوقاً واحداً متكاملاً.
ويشدد الخبير الاقتصادي على أن هذا التحول مشروط بفك الحصار كلياً، وفتح المعابر، وتشغيل الميناء والمطار، مؤكداً أن «البدء الفوري بالمشاريع الإنتاجية الصغرى بأيدي الفلسطينيين أنفسهم هو السبيل الوحيد لكسر حالة الجمود الحالية وحماية المواطنين من تداعيات برد الشتاء والمخيمات لحين نضوج مرحلة التعافي الكبرى».
أسئلة شائعة حول اقتصاد غزة بعد الحرب
ما حجم الأضرار الاقتصادية في غزة بعد ثلاث سنوات من الحرب؟
تقدر الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، مع خسائر اقتصادية إضافية بـ22.7 مليار دولار، وتتجاوز التكلفة الإجمالية للتعافي 71.4 مليار دولار.
لماذا لم تصل المساعدات الدولية الموعودة إلى غزة؟
من أصل 18 مليار دولار تم التعهد بها، لم يُسلّم سوى 280 مليون دولار، بسبب «الإرهاق التمويلي» الدولي والاشتراطات السياسية والأمنية المرتبطة ببدء الإعمار.
ما الحلول العاجلة التي يقترحها الخبراء لإنعاش الاقتصاد؟
يقترح الخبراء «مبادرة اعتماد على الذات» تشمل دعم الصيد البحري، والإنعاش الزراعي، وتشغيل العمالة المحلية، مع التحول لاحقاً نحو اقتصاد قائم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
