وباء الوحدة يضرب الشباب الذكور: الشاشات والعمل عن بُعد يعيدان تشكيل العزلة
في زمن تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي وتتبدل أنماط الحياة، كشفت دراسة بريطانية حديثة أن الشباب الذكور أصبحوا يقضون وقتاً أطول بمفردهم مقارنة بأي فئة عمرية أخرى، في ظاهرة وصفها الباحثون بـ«وباء الوحدة» الذي يغذي الشاشات والعمل من المنزل.
دراسة «بمفردي تماماً»: أرقام تكشف العزلة المتزايدة
أجرت مؤسسة «ريزوليوشن» Resolution البريطانية دراسة بعنوان «بمفردي تماماً»، بدعم من برنامج «ربط الأجيال» البحثي الممول من مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية (ESRC)، لرصد التغيرات في أنماط الوقت الذي يقضيه الشباب بمفردهم خلال العقد الماضي.
واعتمدت الدراسة على بيانات يومية تتبع كيفية قضاء الأفراد لأوقاتهم في المملكة المتحدة، وخلصت إلى أن الشباب الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً قضوا أكثر من خمسي وقت استيقاظهم بمفردهم، أي نحو ست ساعات ونصف يومياً في عام 2023، بزيادة ساعتين مقارنة بعامي 2014 و2015.
أما الشابات فيقضين حالياً ساعة ونصف إضافية يومياً بمفردهن مقارنة بالعقد الماضي، ليصل إجمالي الوقت إلى نحو خمس ساعات يومياً. وعلى النقيض، يقضي كبار السن وقتاً أقل بمفردهم، إذ تبين أن النساء فوق الستين والرجال فوق السبعين يقضون ما بين ساعة وساعة ونصف أقل يومياً.
الشعور بالوحدة: الشباب الأكثر تضرراً
لا يقتصر الأمر على قضاء وقت أطول بمفردهم، بل إن الشباب أكثر عرضة للشعور بالوحدة أيضاً. فقد أفاد البالغون بين 18 و29 عاماً بأنهم يشعرون بالوحدة خلال 14% من وقتهم، أي ضعف النسبة المسجلة لدى من تتراوح أعمارهم بين 60 و69 عاماً، والتي بلغت 7%.
وترجح الدراسة أن جزءاً من هذا الاتجاه مرتبط بزيادة الوقت الذي يقضيه الشباب أمام الشاشات. وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص بين 18 و29 عاماً الذين يقضون معظم أوقاتهم متصلين بالإنترنت، تزيد احتمالات شعورهم بالوحدة بنحو أربع نقاط مئوية، إذ تبلغ النسبة بينهم 16% مقابل 12% لدى من لا يقضون معظم أوقاتهم على الإنترنت.
العمل من المنزل: محرك رئيسي للعزلة
لكن استخدام الشاشات في أوقات الفراغ ليس العامل الوحيد. فقد أدى انتشار العمل من المنزل، الذي تسارع خلال جائحة كوفيد-19، إلى تراجع فرص التفاعل المباشر وجهاً لوجه، خصوصاً بين الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية.
وتوضح الدراسة أن العمل المأجور كان المحرك الأكبر لزيادة الوقت الذي يقضيه العاملون بمفردهم منذ منتصف العقد الماضي، إذ يمثل العمل من المنزل نحو ثلثي هذه الزيادة. كما أظهرت النتائج أن الرجال بين 18 و29 عاماً يقضون حالياً ساعة ونصف إضافية يومياً في العمل بمفردهم مقارنة بمنتصف العقد الماضي.
آثار سلبية على الصحة والرفاهية
قال الباحث في مؤسسة «ريزوليوشن» بارث بانديا إن الارتفاع المتزايد في عدد الشباب الذين يقضون وقتاً أطول بمفردهم ويشعرون بالوحدة لا ينبغي تجاهله. وأوضح أن قضاء بعض الوقت بمفردك قد يكون مفيداً ومريحاً، إلا أن الإفراط فيه قد يترك آثاراً سلبية على الصحة والرفاهية.
وأضاف أن الشباب بين 18 و29 عاماً الذين أفادوا بتدهور حالتهم الصحية في عام 2023، كانوا يقضون ثلاث ساعات إضافية يومياً بمفردهم مقارنة بأقرانهم في 2014 و2015، وهو اتجاه لم يظهر بالوضوح نفسه لدى الفئات العمرية الأكبر.
عدم مساواة بين الأجيال: دعوة لصانعي السياسات
مع تزايد احتمالات شعور الشباب بالوحدة، ترى الدراسة أن أنماط استخدام الوقت يجب أن تكون جزءاً أساسياً من النقاشات المتعلقة بعدم المساواة بين الأجيال. وتشير النتائج إلى أن زيادة الوقت الذي يقضيه الشباب بمفردهم ترتبط بدرجة كبيرة بالعمل المأجور، وهو جانب لا يملكون تحكماً كاملاً فيه، ما يضع أمام صانعي السياسات تحديات إضافية عند صياغة برامج تستهدف تحسين رفاهية الشباب وجودة حياتهم.
وتخلص الدراسة إلى أن طبيعة بيئة العمل والعلاقات الاجتماعية المرتبطة بها تستحق اهتماماً لا يقل أهمية عن النقاش الدائر حول تأثير الشاشات والتكنولوجيا على حياة الشباب.
أسئلة شائعة حول وباء الوحدة لدى الشباب
ما هي الأسباب الرئيسية لزيادة الوحدة بين الشباب الذكور؟
تشير الدراسة إلى أن الشاشات والعمل من المنزل هما المحركان الرئيسيان، حيث يمثل العمل عن بُعد نحو ثلثي الزيادة في الوقت الذي يقضيه الشباب بمفردهم، بينما يزيد الاستخدام المكثف للإنترنت من احتمالات الشعور بالوحدة.
كيف يؤثر العمل من المنزل على العلاقات الاجتماعية للشباب؟
يقلل العمل من المنزل من فرص التفاعل المباشر وجهاً لوجه، خصوصاً للموظفين في بداية مسيرتهم المهنية، مما يحد من بناء علاقات اجتماعية مهنية وشخصية طبيعية.
هل يمكن أن يكون قضاء الوقت بمفردك مفيداً؟
نعم، قضاء بعض الوقت بمفردك قد يكون مفيداً ومريحاً، لكن الإفراط فيه قد يترك آثاراً سلبية على الصحة والرفاهية، وفقاً للباحث بارث بانديا.
ما هي الحلول المقترحة لمواجهة هذه الظاهرة؟
توصي الدراسة بضرورة إدراج أنماط استخدام الوقت في نقاشات عدم المساواة بين الأجيال، ودعوة صانعي السياسات لتصميم برامج تعزز التفاعل الاجتماعي وتحسن جودة حياة الشباب.