النوم مع الضوء مضاءً: دراسة تكشف تأثيراً خفياً على صحة القلب
في عالم يتسارع نحو الابتكار والرفاهية، تبرز دراسة حديثة كتذكير بأن أبسط العادات قد تحمل في طياتها تأثيرات عميقة على صحتنا. فقد كشفت دراسة علمية واسعة النطاق أن التعرض للضوء أثناء النوم قد يرتبط بتغيرات في بنية القلب ووظيفته، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك فشل القلب والنوبات القلبية.
ما الذي توصلت إليه الدراسة؟
تابعت الدراسة أكثر من 11 ألف شخص لم يكونوا يعانون من أمراض القلب عند بدايتها، وقام الباحثون بقياس كمية الضوء التي تعرض لها المشاركون أثناء نومهم على مدى أسبوع كامل. وأظهرت النتائج أن أولئك الذين تعرضوا لمستويات أعلى من الضوء سجلوا اختلافات ملحوظة في حجم القلب ووظيفته، كما ارتبط التعرض للضوء بارتفاع خطر الإصابة بفشل القلب والنوبات القلبية والجلطات الدماغية خلال فترة المتابعة.
ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن هذا الارتباط إحصائي وليس سببيًا بشكل قاطع، إذ قد تتداخل عوامل أخرى مثل مدة النوم وجودته والحالة الصحية العامة ونمط الحياة.
تأثير مفاجئ على صحة القلب
وصف استشاري أمراض القلب الدكتور محمد أندرون، في حديثه لسكاي نيوز عربية، نتائج الدراسة بأنها مفاجئة، مشيرًا إلى أن السؤال عن الإضاءة داخل غرفة النوم لم يكن ضمن الأسئلة المعتادة التي يوجهها الأطباء لمرضى القلب. وأوضح أن الدراسة سلطت الضوء على ما يعرف بـالتلوث الضوئي الليلي، وهو عامل قد يكون له تأثيرات خطيرة تتجاوز التغيرات المحدودة في ضغط الدم أو مستويات السكر.
وأضاف أندرون أن النتائج أظهرت علاقة تصاعدية بين مستوى الإضاءة والمخاطر، قائلًا:
كلما كان الضوء أعلى، كانت الخطورة أكبر. ولا يقتصر الأمر على المصابيح القوية فقط، بل يشمل الضوء المتسرب من أسفل الباب أو من الشارع، وكذلك الضوء الصادر عن الهاتف أو الساعة الإلكترونية، إذا استمر التعرض له بشكل متكرر.
كيف يؤثر الضوء على الجسم أثناء النوم؟
يوضح أندرون أن الضوء يمكن أن يصل إلى الدماغ عبر العينين حتى عندما يكون الشخص نائمًا وعيناه مغمضتان، مما قد يؤثر على الساعة البيولوجية وإفراز هرمون الميلاتونين. ويلعب الميلاتونين دورًا حيويًا في تنظيم النوم، وقد يؤدي اضطراب إفرازه إلى تقليل عمق النوم وتحفيز الجسم على البقاء في حالة يقظة نسبية.
كما ينخفض ضغط الدم بشكل طبيعي أثناء النوم، لكن اضطراب النوم بفعل الإضاءة قد يحد من هذا الانخفاض، حتى لو كان التغير محدودًا. ويشدد أندرون على أن الخطر لا يعني أن تشغيل مصباح في غرفة النوم سيؤدي مباشرة إلى جلطة قلبية، بل يتعلق بتأثير تراكمي يمكن أن يتكرر ليلة بعد أخرى، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر أخرى مثل ارتفاع ضغط الدم أو السكري.
نصائح عملية لتقليل الضوء أثناء النوم
يقدم الدكتور أندرون مجموعة من النصائح العملية لتقليل التعرض للضوء أثناء النوم، والتي تتماشى مع نمط الحياة العصري:
- جعل غرفة النوم مظلمة قدر الإمكان باستخدام ستائر حاجبة للضوء عند تسرب إنارة الشوارع أو المباني.
- قلب الهاتف على شاشته أو وضعه بعيدًا عن السرير لمنع الإشعارات من إضاءة الغرفة.
- تغطية أو إبعاد الساعات والأجهزة التي تصدر أضواء مستمرة.
- استخدام إضاءة خافتة ودافئة أو مصابيح تعمل بأجهزة استشعار الحركة لكبار السن الذين يستيقظون ليلًا، لتحقيق التوازن بين تقليل الضوء ومنع السقوط.
- استخدام أقنعة العين للأشخاص الذين لا يستطيعون حجب مصادر الضوء بشكل كامل.
ويؤكد أندرون أن القاعدة الأساسية هي أن الضوء الأقوى أخطر، وأن الإضاءة الدافئة أفضل من الضوء الأبيض الساطع عند الحاجة إليها.
رسالة أساسية: النوم ليس مجرد ساعات
تبقى الرسالة الأساسية للدراسة أن النوم لا يتعلق بعدد الساعات فقط، بل بالبيئة المحيطة أيضًا. فإطفاء الضوء قد يكون خطوة بسيطة وفعالة لتحسين جودة النوم وتقليل عامل محتمل من عوامل الخطر على القلب. في عالم يزداد اتصالًا وإضاءة، قد يكون الظلام الدامس هو الرفاهية الحقيقية التي يحتاجها قلبك.