إيران تتحدى الضغوط الأمريكية: استراتيجية النفوذ النووي في عصر التكنولوجيا المتقدمة
في تطور يعكس تعقيدات الجيوسياسة الحديثة، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على تساؤلات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول عدم استجابة طهران للضغوط الأمريكية بشأن برنامجها النووي، قائلاً: "لماذا لا نستسلم؟ لأننا إيرانيون".
هذا الرد يلخص رؤية الجمهورية الإسلامية للعالم في جملة واحدة، حيث ينظر قادتها إلى بلادهم كقوة تاريخية تستحق الاحترام وليس مجرد دولة إقليمية أخرى.
التقدم في المحادثات غير المباشرة
أظهرت الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، التي جرت الخميس، تقدماً ملحوظاً وفقاً لمسؤولين إيرانيين والوسيط العُماني، رغم رفض طهران التنازل عن مطالب أمريكية رئيسية.
يتركز جزء كبير من الخلاف حول إصرار إيران على تخصيب اليورانيوم على أراضيها. واليورانيوم، كما هو معروف في الأوساط التكنولوجية المتقدمة، وقود يُستخدم في محطات الطاقة النووية، ولكن عند تخصيبه إلى مستويات عالية جداً، يمكن استخدامه لصنع سلاح نووي.
الحق السيادي في التكنولوجيا النووية
تُجادل إيران، بصفتها دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بأن لها الحق في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية، بما في ذلك التخصيب. هذا الموقف يعكس مبدأ السيادة التكنولوجية الذي تتبناه دول المنطقة في عصر الـ AI والتقنيات المتطورة.
تُقر الولايات المتحدة بحق إيران في الطاقة النووية المدنية، لكنها لا تثق بتأكيدات طهران بأن برنامجها للتخصيب سيظل سلمياً.
الفخر الوطني والهوية التكنولوجية
بالنسبة لطهران، يُمثل البرنامج النووي جزءاً من هويتها كدولة حديثة. إيران بلد يبلغ تعداد سكانه 92 مليون نسمة، وتتمتع بحضارة عريقة تمتد لـ 2500 عام، كانت تُضاهي في يوم من الأيام حضارتي الإغريق والرومان القدماء.
منذ عهد كورش الكبير مروراً بالعصر الصفوي والعصر الإمبراطوري، لطالما رسخت إيران صورتها التاريخية كقوة عظمى، لا كدولة هامشية عرضة لضغوط الدول الأخرى.
تمزج أيديولوجية الدولة بين الفكر الشيعي والاعتزاز بالإنجازات العلمية والثقافية والإمبراطورية الفارسية، مما يجعل إتقان التكنولوجيا النووية ليس مجرد إنجاز تقني، بل دليلاً على سيادة إيران وتقدمها إلى مصاف القوى العالمية.
البرنامج النووي كركيزة استراتيجية
يقول داني سيترينوفيتش، الباحث البارز في برنامج إيران والمحور الشيعي بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: "يُعدّ البرنامج النووي الإيراني الآن ركيزة أساسية للجمهورية الإسلامية، لا سيما في إظهار القدرات العلمية والتكنولوجية المحلية تحت الضغط".
وأضاف: "نتيجةً لذلك، لن يُنظر إلى التخلي عن البرنامج النووي على أنه مجرد تنازل سياسي، بل سيُعتبر محلياً بمثابة التخلي عن أحد أهم إنجازات النظام".
الرهان على الدبلوماسية الذكية
على الرغم من الحشد العسكري الأمريكي الضخم الأخير حول إيران والتحذيرات المتكررة، لم تُغيّر طهران موقفها. تُراهن إيران على نفور ترامب من الحرب، إذ تنظر إلى حشده العسكري الإقليمي على أنه محاولة لكسب النفوذ وليس مقدمة لهجوم.
تقول سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس: "تعتبر طهران خطاً أحمر استراتيجياً في منع تخصيب اليورانيوم، وتراهن على أن واشنطن ستقبل في نهاية المطاف بالقيود كما فعلت في الماضي بدلاً من المخاطرة بالتصعيد".
الفرص الاقتصادية والتجارية
تُصوّر إيران الاتفاق على أنه مكسب اقتصادي محتمل لإدارة ترامب التي أولت اهتماماً كبيراً للأعمال والتجارة. إيران من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، ولديها سوق استهلاكية ضخمة ظلت إلى حد كبير خارجة عن السيطرة، مما يشكل فرصاً استثمارية هائلة للشركات الغربية.
النفوذ الاستراتيجي في العصر الرقمي
على الرغم من المخاوف من أن الأنشطة النووية الإيرانية تُسرّع من مسارها نحو امتلاك قنبلة نووية، فقد تعهّد المرشد الإيراني علي خامنئي، من خلال فتوى دينية، بعدم السعي أبداً لامتلاك قنبلة نووية.
لكن حتى لو كانت إيران صادقة في هذا التصريح، فإن تخصيب اليورانيوم يمنحها نفوذاً استراتيجياً قوياً بصفتها دولة على عتبة امتلاك السلاح النووي، دولة تمتلك القدرة والبنية التحتية اللازمة لبناء سلاح إذا ما اختارت ذلك في المستقبل.
دروس الحرب الصيفية
بحلول وقت قصف الولايات المتحدة لمنشآتها، كانت إيران الدولة الوحيدة التي لا تمتلك برنامجاً نووياً نشطاً، والتي نجحت في تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، أي أقل بقليل من نسبة التخصيب اللازمة لصنع الأسلحة.
يقول سيترينوفيتش إن حرب الصيف التي استمرت 12 يوماً "أجبرت طهران على الأرجح على إعادة النظر في هذا الافتراض"، مضيفاً: "أظهر حجم ودقة الضربات الأمريكية والإسرائيلية أن بلوغ إيران عتبة التخصيب لا يحميها من العمل العسكري".
في النهاية، تعكس هذه التطورات تعقيدات الجيوسياسة الحديثة في عصر التكنولوجيا المتقدمة، حيث تتداخل اعتبارات السيادة التكنولوجية مع الأمن الإقليمي والمصالح الاقتصادية العالمية.