جبل الفأس: سباق التكنولوجيا العسكرية يعيد رسم خريطة الردع في الشرق الأوسط
في مشهد يعكس التقاطع المتزايد بين الجغرافيا السياسية والابتكار العسكري، كشفت صور الأقمار الصناعية عن تسارع غير مسبوق في أعمال البناء داخل موقع «جبل الفأس» الإيراني، الواقع على بُعد 140 ميلاً جنوب طهران. وبينما تتجه الأنظار إلى هذا الموقع الجبلي الوعر، تتقاطع التطورات الميدانية مع جهود تقنية أمريكية طموحة لتطوير أسلحة الجيل القادم القادرة على اختراق التحصينات العميقة، في سباق يعيد تعريف مفاهيم الردع والهيمنة الاستراتيجية.
ما الذي يحدث في موقع «جبل الفأس» الإيراني؟
أظهر تحليل جديد أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) واطلعت عليه CNN حصرياً، أن الموقع شهد «طفرة واضحة في أنشطة البناء» خلال العام الجاري، بعد سنوات من المراقبة الدقيقة. ويُرجح المحللون أن تكون المنشأة، المحفورة في صخور الجرانيت، مصممة لخدمة أحد ثلاثة أغراض مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني: تجميع أجهزة الطرد المركزي، أو التخصيب، أو توفير ملاذ آمن لأنشطة مرتبطة بالأسلحة النووية.
وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن أعمال البناء في الموقع «قد تحولت من مرحلة الحفر النشط إلى مرحلة يُرجح أنها تشمل أعمالاً إنشائية داخلية ومواصلة تعزيز التحصينات الخارجية»، مع «نشاط متزايد في أعمال الطرق» يفوق ما كان عليه الحال في أي وقت مضى. ويحذر المحللون من أن هذه الأعمال المستمرة تشير إلى أن الموقع «ليس مؤهلاً بعد للقيام بعمليات التخصيب»، مما يترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة.
لماذا يشكل «جبل الفأس» تحدياً للقدرات العسكرية الأمريكية؟
يمثل الجبل الجرانيتي هدفاً صعب التدمير حتى باستخدام أثقل القنابل غير النووية في ترسانة البنتاغون. وقد صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين الأسبوع الماضي قائلاً: «قد نضرب جبل الفأس قريباً جداً»، مضيفاً أنهم يعرفون «هوية كل من يتحرك» داخل الموقع. غير أن هذه التصريحات تأتي في وقت تدرك فيه واشنطن أن قدراتها الحالية قد لا تكون كافية لتحقيق أهدافها.
وتؤكد التجارب السابقة هذا التحدي؛ ففي يونيو 2025، شنت الولايات المتحدة ضربات استهدفت مواقع نووية إيرانية، لكن موقع أصفهان المدفون على عمق كبير لم يتعرض سوى لردم مداخله، لأن البنتاغون رأى أن قنابله المخصصة لاختراق التحصينات لن تكون قادرة على تدميره بالكامل. هذا الواقع يدفع الجيش الأمريكي إلى تطوير قنبلة «اختراق من الجيل التالي» تكون بديلاً للقنبلة الحالية المعروفة باسم «MOP» (المخترق الضخم للتحصينات)، وربما تكون قادرة على إصابة أهداف مدفونة على أعماق أكبر.
كيف تستعد الولايات المتحدة لضرب المنشآت العميقة؟
تكشف الوثائق الفيدرالية عن جهود أمريكية متسارعة لتطوير وسائل جديدة لاستهداف المنشآت المحصنة. فقبل أربعة أيام من إطلاق عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران، وقّع مدير برنامج في وكالة الحد من التهديدات الدفاعية (DTRA) وثيقة تبرير لعقد طارئ بقيمة 1.2 مليون دولار لإصلاح منشأة اختبار صاروخي فريدة تحت الأرض في «وايت ساندز» بولاية نيو مكسيكو، استعداداً لاختبار بالذخيرة الحية يهدف إلى «التحقق من قدرات سرية لمواجهة تهديدات ناشئة بسرعة».
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن أعمال الحفر في موقع الاختبار بدأت في الفترة ما بين 16 و18 فبراير، أي قبل يوم واحد من اندلاع الحرب، واستمرت حتى منتصف مارس. وبحسب تقييم بيئي، فإن موقع الاختبار في «وايت ساندز» محفور في صخور الجرانيت، تماماً مثل موقع «جبل الفأس»، مما يشير إلى أن الاختبارات تهدف إلى محاكاة الظروف الفعلية للمواقع الإيرانية المحصنة.
ما هي الخيارات العسكرية الأمريكية ضد إيران؟
يحتفظ الجيش الأمريكي بخطط عملياتية لشن ضربات تستهدف موقع «جبل الفأس»، الذي كان جزءاً من حزمة أهداف قيد الدراسة في وقت سابق من هذا الصيف، بحسب مصدر مطلع على الأمر. وتتضمن الخطة استخدام بعض أضخم القنابل في الترسانة الأمريكية، رغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تلك الذخائر قادرة على اختراق باطن الأرض بعمق كافٍ لتدمير أي منشآت أو معدات ربما تكون إيران قد نقلتها إلى هناك.
وتتواصل الجهود الرامية لوضع خطط لتنفيذ ضربات حاسمة؛ حيث قال مصدر مطلع إن عناصر داخل وزارة الدفاع أجروا مؤخراً عملية تخطيط مكثفة وسريعة حول هذا الموضوع. وقد مُنح عقد للبدء في العمل على نموذج أولي للقنبلة الجديدة في سبتمبر 2025، كما طلبت القوات الجوية عروضاً من شركات قطاع الدفاع لتطوير السلاح الجديد في يونيو.
ماذا يعني هذا التصعيد لمستقبل المنطقة؟
في هذا السياق المعقد، تبرز الإمارات كصوت يدعو إلى الحوار والاستقرار، مؤكدة على أهمية الحلول الدبلوماسية في معالجة الأزمات الإقليمية. فبينما تتسارع الجهود العسكرية والتقنية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تحسم صراعاً بهذا التعقيد؟ أم أن الحكمة تقتضي العودة إلى طاولة المفاوضات؟
تشير التطورات إلى أن المنطقة تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية مع التقدم التكنولوجي. وبينما تواصل الأطراف المعنية تطوير قدراتها، يظل الأمل معقوداً على أن تنتصر لغة الحوار والعقل على منطق التصعيد، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.