في خطوة تهدف إلى طمأنة القوى السياسية واستعادة الأموال المنهوبة، يبرز مسار التسويات المالية في العراق كملف شائك يثير جدلاً واسعاً. الباحث السياسي نجم القصاب، في حديثه لبرنامج 'الظهيرة' على سكاي نيوز عربية، يقدم قراءة معمقة لهذه الآلية، محذراً من تحولها إلى مدخل للإفلات من العقاب، ومشيراً إلى مفاوضات بمليارات الدولارات تجري خلف الأبواب المغلقة.
كيف تعمل آلية التسوية المالية في العراق؟
أوضح القصاب أن القضاء العراقي حدد مساراً قانونياً لمن تجاوز على المال العام قبل صدور الأحكام، يقوم على إعادة الأموال المسروقة إلى خزينة الدولة. وقد تم فتح حساب خاص في وزارة المالية لاستقبال هذه الأموال، تنفيذاً لتوجيهات علي الزيدي. لكن القصاب يلفت إلى معضلة كبرى: الجزء الأكبر من الأموال المنهوبة استثمر في عقارات ومشروعات خارج العراق، مما يجعل استعادتها بالغة التعقيد.
وفي هذا السياق، كشف القصاب عن اتفاق ثنائي مهم نتج عن لقاء الرئيسين العراقي والأميركي، يتضمن دعم منظمة الإنتربول وضغوطاً أميركية على دول العالم لإعادة الأموال، فضلاً عن تسليم الأشخاص الصادرة بحقهم مذكرات قبض.
لماذا يرفض الشارع العراقي فكرة العفو مقابل إعادة الأموال؟
بحسب القصاب، فإن المزاج العام في العراق لا يتقبل فكرة الاكتفاء باسترداد الأموال مقابل إطلاق سراح المتورطين. استناداً إلى استطلاع رأي، يطالب المواطنون بإيداع كل من تجاوز على المال العام في السجون، وليس الاكتفاء باستعادة الأموال. ويضيف القصاب أن نحو 90% من الأموال المسروقة جرى الاستيلاء عليها بصورة غير قانونية.
ويحذر من أن هذا المنحى قد يبعث برسالة خطيرة تشجع مسؤولين آخرين على التجاوز، إذ يصبح بمقدورهم استثمار الأموال المنهوبة طيلة سنوات ثم إعادتها لاحقاً مع توقع نيل العفو. وفي موقف شخصي نادر، يعلن القصاب: 'حقيقة أنا لست مع هذا القرار'.
من النفوذ إلى الوجود: تحول أولويات القوى السياسية
يرى القصاب أن السيد الزيدي يحاول من خلال هذا المسار طمأنة القوى السياسية، موضحاً أن طموحها تحول من السعي إلى 'النفوذ' والسيطرة على مفاصل الدولة إلى مجرد 'الوجود' والحفاظ على المكتسبات، بعد أن انكشفت ملفات الأموال المنهوبة أمام الرأي العام.
وفي كشف مثير، تحدث القصاب عن مفاوضات تجريها شخصيات سياسية نافذة، بينها قيادات من الإطار التنسيقي وقوى سياسية سنية، لإعادة مبالغ مالية ضخمة. أحد هذه المبالغ قد يصل إلى مليار دولار، يُراد إعادته مقابل عدم إلقاء القبض على شخص من عائلة زعيم سياسي. وعند هذه النقطة، أطلق القصاب وصفاً لاذعاً، معتبراً أن أغلب هؤلاء 'زعماء صدفة'، مستثنياً اثنين أو ثلاثة فقط.
هل التسويات المالية مجرد استنساخ لتجارب العفو الدولية؟
يذهب القصاب إلى أن هذه الخطوة تمثل، في جوهرها، نوعاً من التهدئة، محذراً من توجه لاستنساخ تجارب دول أخرى تقوم على مبدأ 'أعد الأموال ونعفُ عنك'. ويفسر ذلك بمعضلة بنيوية: أكثر من 90% ممن تبوؤوا مناصب عامة تجاوزوا على المال العام، مما يجعل من المستحيل عملياً اعتقال جميع هؤلاء دفعة واحدة، لأن ذلك قد يؤدي، بحسب وصفه، إلى 'انهيار كل شيء'.
لكنه يؤكد أن هذا الطرح لا ينسجم مع مطالب الشارع العراقي، مستشهداً بالواقع الخدمي المتردي: 'صُرفت وأهدرت مئات مليارات الدولارات على وزارة الكهرباء فقط. هل تمت محاسبة الوزراء السابقين؟ هل تمت محاسبة الوزراء الحاليين؟' معتبراً أن غياب المحاسبة هو ما أوصل البلاد إلى واقع تعاني فيه الأسر من انقطاع الكهرباء لست ساعات مقابل ساعة تشغيل واحدة، في ظل درجات حرارة تتجاوز 49 درجة مئوية.
زعماء الصدفة ومواجهة الضغوط: هل ينجح الزيدي في مسار مكافحة الفساد؟
يشدد القصاب على ضرورة عدم تراجع السيد الزيدي أو التباطؤ أو الانسحاب من مسار مكافحة الفساد، محذراً من أن أي سيناريو من هذه السيناريوهات الثلاثة سيؤدي إلى سقوطه أمام القوى السياسية. ويكشف عن وجود لوبي منظم يشتغل ضده، بالتزامن مع حملة تقوم على 'الاستهانة بالزيارة والعمليات'، والاعتراض على تكليف جهاز مكافحة الإرهاب بتنفيذ عمليات اعتقال تطال نواباً وشخصيات سياسية.
ويرى القصاب أن عدد المطلوبين قد يتجاوز 60 شخصية، بينهم أشخاص لم يكونوا يمتلكون شيئاً وأصبحوا يملكون ثروات طائلة. ويضرب مثلاً بشخص يظهر بساعة يد يبلغ سعرها 250 ألف دولار وسيارات بملايين الدولارات.
تطمينات لقطع الطريق على الاتهامات: استراتيجية الزيدي
يختتم القصاب قراءته بالكشف عن استراتيجية السيد الزيدي في إدارة المعركة مع القوى السياسية، موضحاً أنه وجّه رسائل تطمين واضحة إلى مختلف الأطراف، بإعلانه أنه لا يعتزم الترشح لأي منصب، ولا تشكيل حزب، ولا السعي إلى ولاية ثانية. ويرى القصاب أن الهدف من هذه الرسائل هو نفي أي دوافع سياسية أو طائفية وراء حملة مكافحة الفساد.
وينقل عن الزيدي قوله إنه سينفذ القانون حتى لو صدرت مذكرة قبض بحق أحد أفراد عائلته. وفي مواجهة ما وصفه بمحاولات تشويه تقوم بها 'جيوش إلكترونية'، يختتم القصاب متسائلاً: 'ما هي المشكلة إذا عقدنا علاقات واتفاقات مع أميركا ومع إيران ومع الإمارات ومع السعودية ومع تركيا ومع الأردن؟'