كشف فريق أثري في شرق السودان عن بقايا هيكل عظمي لطفل وثلاث جرار فخارية مدفونة تحت تلال الدفن في منطقة المريبيعة بمحلية الفشقة في ولاية القضارف، في اكتشاف قد يعود إلى ما بين 5000 و3000 قبل الميلاد. ووقع الاكتشاف في الرابع عشر من أكتوبر 2026 أثناء مسح ميداني تدريبي نفذه طلاب آثار من جامعة القضارف بالتعاون مع إدارة الآثار بالولاية، وفق ما أوردت قناة العربية.
بدأت الحكاية بشظية فخار عالقة تحت التراب. حاول أحد الطلاب رفعها فوجدها ثابتة في مكانها، ومع إزالة التراب المحيط ظهرت فوهة جرة مدفونة، فأبلغ المشرفين فوراً. توقف الفريق عن النبش، وحدد الموقع بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ثم عاد في اليوم التالي لتنفيذ حفرية إنقاذ محدودة لم تكن ضمن الخطة الأصلية.
حفرية إنقاذ تكشف ثلاث جرار وبقايا بشرية
أسفر الحفر عن ظهور جرة في الطبقة الأولى، بينما امتد جزء كبير من جرة ثانية إلى الطبقة الأدنى، ما اضطر الفريق إلى إزالة طبقة إضافية لإنقاذها. وهناك ظهرت جرة ثالثة، ليجد الباحثون أنفسهم أمام اكتشاف يتجاوز بكثير ما كان متوقعاً من مهمة تدريبية عادية.
وقالت الدكتورة حنان الشيخ هجو، عالمة الآثار المشاركة في العمل، في إفادات لقناة العربية، إن ما حدث كان حفرية إنقاذ هدفها التعامل مع الآثار التي ظهرت أثناء المسح وليس تنقيباً أثرياً متكاملاً.
توقف الحفر عند عمق نحو 20 سنتيمتراً بعد إزالة طبقتين من التربة، خشية أن يقود التعمق إلى اكتشاف آثار إضافية تتجاوز إمكانات الفريق وموارده المتاحة.
هيكل الطفل ووضعية القرفصاء
لم تكن الجرار وحدها ما استوقف الفريق. عثر الباحثون أيضاً على بقايا عظمية بشرية، بينها أجزاء من هيكل عظمي لطفل. ولاحظ الباحثون أن عظم فخذه يتجه نحو الأضلاع، في مؤشر يرجح أن الجثمان دُفن في وضعية القرفصاء.
وتفتح هذه الملاحظة نافذة على طرق الدفن لدى سكان المنطقة القدماء، لكنها لا تقدم بمفردها إجابات نهائية عن طقوسهم الجنائزية أو طبيعة العلاقة بين الأواني الفخارية والبقايا البشرية. فذلك يحتاج إلى دراسة الهيكل العظمي في سياقه الأثري ومقارنة المكتشفات بنتائج حفريات أخرى.
وقالت حنان الشيخ هجو إن تلال الدفن في المنطقة كبيرة وممتدة، وإن الموقع الذي شهد التنقيب ليس سوى واحد من مواقع عديدة. كشف المسح عن تلال دفن في ثلاثة مواقع، بينما اقتصر العمل الفعلي على أحدها.
العصر الحجري الحديث: فرضية تنتظر الدليل
يرجح شكل الجرار والسياق الأثري أن يعود الموقع إلى العصر الحجري الحديث، ضمن نطاق زمني تقديري بين نحو 5000 و3000 قبل الميلاد. لكن هذا الاستنتاج لا يزال أولياً ولا يمثل تأريخاً نهائياً للموقع.
وأوضحت الباحثة أن تثبيت التاريخ يتطلب دراسة الفخار ومقارنته بنماذج أثرية معروفة، وفحص البقايا العظمية، وتحليل تلال الدفن، فضلاً عن إجراء حفريات إضافية بما في ذلك التنقيب في مدفن آخر للتحقق من محتويات المقبرة الأولى.
وتستند الترجيحات الحالية، وفق إفادتها، إلى سياقات أثرية ونتائج حفريات سابقة، لكن الوصول إلى صورة أكثر دقة يستلزم استكمال العمل العلمي. فلا يمكن حتى الآن حسم عدد المدفونين أو طبيعة الطقوس الجنائزية أو ما إذا كانت الجرار مرتبطة مباشرة بعملية الدفن قبل الكشف عن سياقها الكامل.
القضارف: تاريخ ينتظر التنقيب
وصنفت حنان الشيخ هجو ولاية القضارف بأنها من المناطق الغنية بالمواقع الأثرية التي لم تحظ بما تستحقه من أعمال المسح والتنقيب. وأشارت إلى أن بعثة أجنبية أجرت مسحاً للمنطقة ومواقع أخرى عام 2010، لكن الحفريات لم تكتمل في الموقع الذي شهد الاكتشاف الحالي.
ورأت أن الحفرية الأخيرة يمكن أن تمثل نقطة انطلاق نحو اهتمام علمي أوسع، رغم أنها كانت تجريبية ومحدودة ولم تنفذ وفق نطاق التنقيب الأثري المتكامل. فالمواقع التي كشفت عنها أعمال المسح وتلال الدفن الممتدة تطرح الحاجة إلى برنامج بحثي منظم يحدد الأولويات ويتيح للباحثين دراسة المنطقة على نحو أشمل.
كما تكشف التجربة حدود العمل الأثري في ظل نقص الإمكانات، إذ اضطر الفريق إلى وقف الحفر عند عمق محدود بعدما ظهرت مؤشرات إلى احتمال وجود آثار أخرى. ومن ثم فإن استكمال البحث لا يتوقف على وجود المكتشفات وحده، بل يحتاج إلى معدات وموارد وخبرات تسمح بالتنقيب والتوثيق والفحص وفق المعايير العلمية.
وفي المريبيعة، لا تزال ثلاث جرار فخارية وبقايا عظمية وتلال دفن تحمل أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات. وقد يكون هيكل الطفل ووضعية دفنه بداية لفهم جانب من طقوس سكان المنطقة القدماء، فيما قد تكشف الحفريات المقبلة عن تفاصيل أوسع تتعلق بتاريخ الاستيطان البشري في شرق السودان.
أسئلة شائعة
متى وقع الاكتشاف الأثري في القضارف؟
وقع الاكتشاف في أكتوبر 2026 أثناء مسح ميداني تدريبي نفذه طلاب آثار من جامعة القضارف بالتعاون مع إدارة الآثار بالولاية.
ما هو عمر المكتشفات المحتمل؟
تشير القرائن الأولية إلى احتمال عودة المكتشفات إلى العصر الحجري الحديث، بين نحو 5000 و3000 قبل الميلاد، لكن الباحثين يتحفظون على حسم هذا التأريخ قبل استكمال الدراسات والحفريات اللازمة.
لماذا توقف الحفر عند 20 سنتيمتراً؟
توقف الفريق خشية أن يقود التعمق إلى اكتشاف آثار إضافية تتجاوز إمكاناته، إذ كانت الأولوية إنقاذ المكتشفات الظاهرة في حدود الموارد المتاحة.
