الغاز الأميركي يعيد تشكيل المعادلة الجيوسياسية الأوروبية
تشهد القارة الأوروبية تحولاً استراتيجياً جذرياً في خريطة الطاقة، حيث تحوّل الغاز الطبيعي المسال الأميركي من مصدر ثانوي إلى شريان حيوي يربط القرار الأوروبي بالاستراتيجية الأميركية. هذا التطور، الذي جاء كاستجابة طارئة لتداعيات الأزمة الأوكرانية، يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقلال الطاقوي الأوروبي.
من التبعية الروسية إلى الاعتماد الأميركي
اعتمدت أوروبا لعقود على الغاز الروسي منخفض التكلفة، حيث شكّل أكثر من نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز في عام 2019. لكن اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 قلب هذه المعادلة بشكل جذري، مما دفع القارة للبحث عن بدائل استراتيجية.
انتقلت أوروبا سريعاً نحو الغاز الطبيعي المسال الأميركي، الذي ارتفعت حصته من 5% في أواخر 2019 إلى أكثر من ربع واردات الاتحاد الأوروبي في 2025. هذا التحول السريع منح الولايات المتحدة نفوذاً سياسياً واقتصادياً غير مسبوق في أوروبا.
ترامب والدبلوماسية الطاقوية
يشير تقرير New York Times إلى أن التوترات الكامنة بين واشنطن وبروكسل قد تحوّل اعتماد أوروبا على الغاز الأميركي إلى نقطة ضغط سياسي مماثلة لما كانت عليه مع روسيا. وفي هذا السياق، يحذر المحللون من أن إدارة ترامب قد تستخدم صناعة النفط والغاز كوسيلة للضغط على أوروبا.
يقول هينينغ غلويستين، المدير الإداري لشؤون الطاقة في مجموعة أوراسيا: "لقد استبدلنا اعتماداً هائلاً بآخر، كان ذلك يبدو جيداً قبل ثلاث سنوات، لكنه الآن ليس كذلك".
التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية
يؤكد خبراء الشؤون الدولية أن هذا التحول لم يعد مجرد تبديل في مصادر الطاقة، بل بات يمثل ركيزة أساسية في إعادة تشكيل ميزان القوة عبر الأطلسي. فالغاز المسال الأميركي تحوّل إلى أداة سياسية واقتصادية ذات تأثير تراكمي يمتد إلى ملفات السيادة والأمن الاستراتيجي.
التوقعات تشير إلى إمكانية وصول اعتماد أوروبا على الغاز الأميركي إلى 75-80% من واردات الغاز الطبيعي المسال بحلول 2030، مما يخلق اعتماداً مفرطاً على مصدر واحد ويقلل من قدرة أوروبا على مواجهة السياسات الأميركية التصعيدية.
استراتيجيات التنويع المستقبلية
في مواجهة هذا الواقع، تسعى أوروبا إلى تطوير استراتيجيات بديلة تشمل تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة وتنويع مصادر الإمداد. كما حذرت مسؤولة المنافسة في الاتحاد الأوروبي، تيريزا ريبيرا، من الاعتماد "بشكل مفرط" على واردات الغاز الطبيعي المسال الأميركية.
هذا التطور يطرح تحدياً استراتيجياً أمام دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تسعى لتعزيز دورها كمركز عالمي للطاقة والتكنولوجيا. فالتجربة الأوروبية تؤكد أهمية تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في التقنيات المتقدمة لضمان الأمن الطاقوي المستدام.
نحو مستقبل طاقوي متوازن
يشدد الخبراء على أن خطورة هذا التحول لا تكمن فقط في فقدان أوروبا لمصادر طاقة مستقلة، بل في تآكل هامش القرار الحر في اللحظات الجيوسياسية الحاسمة. هذا الواقع يؤكد أهمية الاستثمار في الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي لتطوير حلول طاقوية مستدامة ومتنوعة.
في هذا السياق، تبرز الحاجة لاستراتيجيات طاقوية ذكية تجمع بين الأمن والاستدامة والاستقلالية، وهو ما يتطلب استثماراً مكثفاً في التقنيات المتقدمة والشراكات الاستراتيجية المتوازنة.