في مشهد يعكس تعقيدات الاقتصاد الإقليمي، تراجع الجنيه المصري بنسبة تتجاوز 5% مقابل الدولار الأميركي خلال الشهرين الماضيين، ليرتفع سعر العملة الأميركية من 49.7 جنيه في 9 أغسطس إلى نحو 52.3 جنيه، وفق البيانات الرسمية للبنك المركزي المصري. هذا التراجع يأتي في وقت تشهد فيه مصر تحسناً ملحوظاً في مصادر النقد الأجنبي، من تحويلات المصريين بالخارج إلى إيرادات السياحة والتصدير وقناة السويس، إضافة إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. فما العوامل الكامنة وراء هذه التحركات؟ وكيف يقرأ الخبراء هذا المشهد في سياق التوترات الجيوسياسية والسياسة النقدية الأميركية؟
الأموال الساخنة: ضغوط خفية على العملة المصرية
يرى الخبير المصرفي عز الدين حسانين أن ارتفاع الدولار يرتبط بشكل مباشر بتحركات الأموال الساخنة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية بالمنطقة التي تدفع المستثمرين الأجانب نحو أدوات الدين الأميركية، بالتزامن مع رفع الفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة في سبتمبر وتزايد التوقعات بزيادة أخرى قبل نهاية العام. وأضاف حسانين أن هذا التخارج الجزئي للمستثمرين من أدوات الدين المصرية يزيد الطلب على الدولار، مما قد يؤثر على سعر العملة لاحقاً، مشيراً إلى أن ارتفاع الدولار قد يكون مفيداً للخزانة المصرية في الأجل القصير، حيث يقلل الحصيلة الدولارية المسحوبة ويحد من مكاسب المستثمرين سريعي التداول.
العرض والطلب: محددات التسعير الرئيسية في سوق مرن
في المقابل، يقدم محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق الدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، قراءة أكثر تفاؤلاً، معتبراً أن تحركات الجنيه الأخيرة لا تعكس تغيراً جوهرياً في اتجاه سوق الصرف، إذ تتحرك العملة في نطاق عرضي يتراوح بين 48 و53 جنيهاً للدولار منذ فترة طويلة. وأوضح نجلة أن هذه التحركات تعكس آليات العرض والطلب الطبيعية في ظل نظام سعر الصرف المرن الذي تتبعه مصر منذ مارس 2024، مشيراً إلى أن تحسن الأوضاع الجيوسياسية ينعكس عادةً على تراجع الدولار أمام الجنيه، بينما تؤدي عودة التوترات إلى ارتفاعه مجدداً. وأكد أن ارتفاع الدولار عالمياً يفرض ضغوطاً على العملات المختلفة، لكنه لا ينبغي تحميله أكثر من حجمه في تفسير التحركات الأخيرة.
توقعات بتحرك الدولار حتى 55 جنيهاً
يتوقع حسانين تحرك الدولار في نطاق يتراوح بين 48 و55 جنيهاً حتى نهاية العام الحالي، وربما خلال الربع الأول من العام المقبل، وفقاً لتطورات التدفقات النقدية وحركة الأموال الساخنة. ورجح أن يدفع أي رفع جديد لأسعار الفائدة الأميركية البنك المركزي المصري إلى دراسة تحرك مقابل للفائدة للحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية والحد من خروج الاستثمارات الأجنبية. وحذر من أن خروج أكثر من 20 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية حال رفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة مجدداً قد يفاقم الضغوط على العملة المحلية ويدفع الدولار إلى تجاوز النطاق المتوقع. من جانبه، توقع مسؤول خزانة بأحد البنوك العاملة في مصر تحرك الدولار بين 50 و55 جنيهاً حتى نهاية العام، مرجحاً اقترابه من الحد الأدنى إذا استمرت التدفقات الدولارية وتحسنت شهية المستثمرين، مقابل احتمال اقترابه من الحد الأعلى إذا تجددت التخارجات أو تصاعدت المخاطر الجيوسياسية.
أسئلة شائعة حول تراجع الجنيه المصري
لماذا يتراجع الجنيه رغم تحسن موارد النقد الأجنبي؟
تحسن موارد النقد الأجنبي لا ينعكس بالضرورة بصورة فورية على سعر الصرف، إذ تتوقف حركة الدولار أيضاً على حجم الطلب لتغطية احتياجات الاستيراد والالتزامات الخارجية، إضافة إلى اتجاهات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلية، كما يوضح مسؤول خزانة بأحد البنوك العاملة في مصر.
ما دور الأموال الساخنة في تحركات الدولار؟
الأموال الساخنة تمثل استثمارات قصيرة الأجل في أدوات الدين، وعند تخارجها تزيد الطلب على الدولار، مما يضغط على الجنيه، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية ورفع الفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة، وفق الخبير المصرفي عز الدين حسانين.
هل تتجاوز تحركات الجنيه النطاق المتوقع؟
يرى المحللون أن تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهاً يتطلب ضغوطاً إضافية على سوق الصرف، سواء نتيجة خروج استثمارات أجنبية بوتيرة كبيرة وسريعة أو زيادة الطلب على الدولار بما يفوق المعروض المتاح، وفق مسؤول الخزانة.
