ديبلوماسية الظل: كيف أعاد مساعد السفير الأميركي كتابة تقارير القدس؟
في قلب المشهد الديبلوماسي الأميركي الإسرائيلي، تبرز قصة مثيرة للجدل تكشف عن آليات غير معلنة في صناعة القرار. فوفقاً لوثائق ومقابلات حصرية مع مسؤولين أميركيين، يبدو أن ديفيد ميلستين، المساعد البارز للسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، لعب دوراً محورياً في حجب أو تعديل تقارير السفارة في القدس، بما قد يكون غيّر صورة الحكومة الإسرائيلية أمام صناع القرار في واشنطن.
ما حقيقة تدخلات ميلستين في تقارير السفارة؟
بحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، فإن ميلستين، البالغ من العمر 36 عاماً، تجاوز في تدخلاته ما فعله أي من أسلافه. وتشير المصادر إلى أن بعض هذه التدخلات قد يتعارض مع سياسات الرئيس دونالد ترامب المعلنة، خاصة فيما يتعلق برفض ضم الضفة الغربية. وقد نفى هاكابي هذه الرواية بشدة دون الخوض في تفاصيل محددة، ورفض هو وميلستين طلبات إجراء مقابلات.
مذكرة لم تصل: القصة الكاملة
في أواخر مارس، أعد موظفو السفارة مذكرة عاجلة بعد موافقة إسرائيل على عدد غير مسبوق من المستوطنات الجديدة دفعة واحدة، خلال ذروة الحرب مع إيران. ورأى المسؤولون أن هذه الخطوة قد تتحدى أحد الخطوط الحمراء التي حددها ترامب. لكن المذكرة لم تصل إلى واشنطن أبداً، إذ أجهضها ميلستين وفقاً لثلاثة مسؤولين تحدثوا للصحيفة.
وتحدثت المصادر عن نمط متكرر من العرقلة، فمع تصاعد عنف المستوطنين في الربيع، عرقل ميلستين تقارير تشير إلى تقاعس الحكومة الإسرائيلية، وأُرسلت بدلاً منها برقية تحمل عنواناً مغايراً تماماً: “الحكومة تتصدى بحزم للعنف المتصاعد في الضفة الغربية”.
كيف تعاملت السفارة مع ملف الأميركيين من أصل فلسطيني؟
في ملف حساس آخر، أعدت السفارة في مارس تقريراً مفصلاً عن التحقيقات في مقتل 9 أميركيين من أصل فلسطيني على يد مستوطنين أو قوات إسرائيلية، وذلك بعد رسالة من 30 عضواً في الكونغرس بقيادة السيناتور كريس فان هولين. وخلص التقرير إلى أن معظم التحقيقات لم تحرز تقدماً يُذكر، وأن بعضها أُغلق دون توجيه اتهامات لأي شخص.
لكن ميلستين اقترح بدلاً من ذلك رسالة تفيد بأن إسرائيل تتعامل مع القضايا بشكل مناسب. وجاء الرد الرسمي في الرابع من مايو متحدثاً عن العمل مع إسرائيل لضمان المحاسبة. وقال فان هولين إن غياب المحاسبة يعرض مزيداً من المواطنين الأميركيين للخطر.
إعادة كتابة تقارير غزة: ما الذي حدث؟
في صيف 2025، أعاد ميلستين كتابة تقرير دبلوماسي حذر من فوضى ومخاطر عمليات مؤسسة غزة الإنسانية، ليعلن نجاحها متجاهلاً سقوط ضحايا بأعداد كبيرة. كما أفاد أربعة مسؤولين بأنه سأل زملاء عمّا إذا كانوا مؤيدين لإسرائيل أو لحماس، وهو ما اعتبروه غير لائق وجعل بعضهم يخشى الحديث بحرية.
ردود فعل وتحفظات داخلية
قال دان كورتزر، السفير الأميركي الأسبق لدى إسرائيل في عهد جورج بوش الابن، إن على السفارة إبلاغ واشنطن بكل شيء، وإن عدم القيام بذلك يضر بعملية صنع السياسات وقد يقوض سياسات الرئيس. وأفاد أربعة مسؤولين بأن مسؤولين كباراً في واشنطن، بينهم في البيت الأبيض، عبّروا عن إحباطهم من بعض تصرفاته، وبأن مسؤولين تجاوزوا القنوات المعتادة مرتين على الأقل للتواصل مباشرة مع موظفي السفارة.
ويقول المسؤولون إن هاكابي يوقّع على معظم البرقيات، وإنه كبح ميلستين في حالات رأى فيها أنه تجاوز الحد، فيما عمل معه أحياناً لإعادة صياغة المعلومات. وكان هاكابي قد أعلن “ثقته المطلقة” بمساعده بعد مقال نقدي نشرته بوليتيكو عن دعوته ضيوف زفافه لإهدائه مالاً.
من هو ديفيد ميلستين؟
يُعرف ميلستين بأنه ابن زوجة المذيع اليميني مارك ليفين المقرب من ترامب ونتنياهو، وعمل سابقاً مساعداً للسيناتور تيد كروز ثم لسفير ترامب الأسبق ديفيد فريدمان ولحاكم فلوريدا رون ديسانتيس. هذه الخلفية السياسية تثير تساؤلات حول مدى تأثير العلاقات الشخصية على الديبلوماسية الرسمية.
ماذا يعني هذا لصناعة القرار الأميركي؟
تأتي هذه الكشوفات في وقت يتصاعد فيه الجدل الدولي حول التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، إذ أعلنت بريطانيا وكندا وفرنسا الشهر الماضي عقوبات على المستوطنات. وتستند المعلومات إلى مقابلات أجرتها نيويورك تايمز مع 15 مسؤولاً أميركياً وتسعة دبلوماسيين سابقين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من الانتقام، إضافة إلى عشرات الوثائق والبرقيات والمراسلات الداخلية.
في النهاية، تطرح هذه القضية أسئلة جوهرية حول الشفافية والمساءلة في العمل الديبلوماسي، وكيف يمكن لشخص واحد أن يؤثر على صورة كاملة لدولة بأكملها أمام الإدارة الأميركية. وبينما تستمر التحقيقات والتحليلات، يبقى السؤال الأهم: هل تعلم واشنطن الحقيقة كاملة حول ما يحدث في القدس؟
