بصمات الحمض النووي تكشف أورام البروستاتا العدوانية قبل انتشارها
في تطور علمي يعيد رسم حدود الطب الدقيق، كشفت دراسة دولية حديثة عن ثماني بصمات طفرية داخل أورام البروستاتا الأولية، أربع منها ترتبط بسرعة انتشار المرض. هذا الاكتشاف، المنشور في دورية Nature، يفتح الباب أمام تصنيف الأورام وفق خطورتها البيولوجية بدلاً من تشخيصها تحت اسم واحد، مما قد يحدث نقلة نوعية في قرارات العلاج حول العالم.
ما الذي توصلت إليه الدراسة في تحليل جينومات 959 مريضاً؟
قاد الدراسة باحثون ضمن مجموعة عموم سرطان البروستاتا، وهي شبكة دولية تضم علماء من تسع دول، وجمعت بيانات جزيئية لأكثر من ألفي حالة. لكن التحليل المنشور ركز على فحص جينومات أورام أولية من 959 مريضاً، ضمن قاعدة أوسع تضم 1001 متبرع و1209 عينات. وتوافرت بيانات المتابعة لـ903 مرضى، أصيب 132 منهم بمرض نقيلي خلال فترة المتابعة، بمتوسط زمن بلغ ست سنوات للانتشار.
كيف تعمل البصمات الطفرية داخل الورم؟
البصمة الطفرية ليست طفرة واحدة مسؤولة عن خطورة الورم، بل نمط مميز من التغيرات تتركه العمليات البيولوجية المختلفة داخل الخلايا، مثل تلف الحمض النووي أو اضطراب آليات إصلاحه. استخدم الباحثون تسلسل الجينوم الكامل ونماذج حاسوبية لدمج أنواع متعددة من التغيرات، من تبدلات القواعد المفردة إلى إعادة ترتيب أجزاء كبيرة من الحمض النووي، وحددوا ثماني بصمات متكاملة تفسر نحو 85 بالمئة من الأورام الأولية.
وظهرت البصمات الأربع المرتبطة بقصر زمن الانتشار في نحو 37 بالمئة من الأورام التي شملها التحليل، وشملت العمليات المرتبطة بها تلفاً ناجماً عن جزيئات الأكسجين التفاعلية واضطرابات في آلية إصلاح الكسور داخل الحمض النووي. كما رصد الباحثون أن أحد الأنماط كان أكثر شيوعاً لدى مرضى من أصول أفريقية، وهو ما يحتاج إلى مزيد من البحث لفهم أسبابه ودلالاته السريرية.
ما أهمية هذه النتائج في معالجة مشكلة العلاج الزائد؟
تكمن أهمية هذه النتائج في معالجة واحدة من أصعب مشكلات سرطان البروستاتا: معرفة من يحتاج إلى علاج سريع ومكثف، ومن يمكنه تجنب تدخلات قد لا تكون ضرورية وما يصاحبها من آثار جانبية. وقال يواكيم فايشنفيلدت، من جامعة كوبنهاغن وأحد كبار الباحثين، إن الفريق حدد ثماني بصمات تفسر نحو 85 بالمئة من الحالات، بينها أربع مرتبطة بالأورام الأكثر قابلية للانتشار.
وأوضح معهد أبحاث السرطان في لندن أن الهدف البعيد هو تطوير تصنيف جزيئي يساعد على تحديد الأورام العدوانية مبكراً وتوجيه العلاج وفق بيولوجيا كل ورم. كما وجد الباحثون إشارات إلى ارتباط بعض البصمات بالاستجابة لعلاجات معينة في حالات السرطان النقيلي، ما قد يمنحها مستقبلاً دوراً يتجاوز توقع الانتشار إلى اختيار العلاج.
متى تصبح هذه البصمات أداة عملية في المستشفيات؟
مع أن هذه النتائج تمثل خطوة بحثية واعدة، إلا أنها لا تمثل اختباراً جاهزاً للاستخدام في المستشفيات. لا تستطيع هذه البصمات حالياً تحديد مصير مريض بعينه، ولا تحل محل الفحوص المعتمدة. الخطوة التالية هي تطوير نظام تصنيف واختباره سريرياً للتأكد من دقته، قبل أن تتحول خريطة الطفرات إلى أداة تساعد الطبيب في اختيار العلاج المناسب في الوقت المناسب.