إيران بين خطاب الصمود وواقع الأزمة: التضخم يلتهم الأجور والعقوبات تلوح في الأفق
في اعتراف نادر بحدّة الأوضاع، أقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن المجتمع الإيراني يواجه صعوبات عديدة، في وقت ترسم فيه الأرقام الرسمية وشهادات المواطنين صورة قاتمة لأزمة اقتصادية شاملة تمتد من أسعار الغذاء إلى سوق العمل والوقود، وسط استعداد واشنطن لفرض جولة جديدة من العقوبات.
وقال بزشكيان إن حكومته تبذل قصارى جهدها لتفادي تفاقم الوضع، معتبراً أن إيران تخوض حرباً اقتصادية وعسكرية وأمنية شاملة. ويأتي هذا الاعتراف بعد تصريحات سابقة له أشار فيها إلى أن مشكلات البلاد تضاعفت عدة مرات، بينما تراجعت الإيرادات بشكل ملحوظ.
التضخم يسبق الأجور: أرقام صادمة من قلب الاقتصاد الإيراني
كشفت بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم السنوي بلغ 66 بالمئة في يوليو الماضي، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 87.9 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. أما تضخم الغذاء، فقد قفز إلى مستويات قياسية بلغت 128 بالمئة.
وتشير أرقام نقلتها وكالة أسوشيتد برس إلى ارتفاع أسعار الأرز بنحو 60 بالمئة، واللحوم الحمراء بنحو 150 بالمئة منذ اندلاع الحرب. ورغم زيادة الحد الأدنى للأجور بنحو 60 بالمئة، فإن تراجع قيمة الريال الإيراني أدى إلى انخفاض القيمة الشهرية للحد الأدنى من نحو 105 دولارات في أواخر مارس إلى قرابة 86 دولاراً فقط.
ولا تعاني الأسواق الإيرانية من اختفاء واسع للسلع بقدر ما تعاني الأسر من فقدان القدرة الشرائية. وفي مدينة يزد، قال موظف حكومي لوكالة رويترز إن راتبه ينفد خلال أيام معدودة، وإن اللحوم والدجاج اختفيا تقريباً من مائدة أسرته. أما سائق سيارة أجرة في طهران، فقال إنه يعمل نحو 15 ساعة يومياً، لكنه اضطر إلى تقليص شراء الفاكهة والبروتين وإلغاء الأنشطة الترفيهية والعطلات الأسبوعية.
سوق العمل تحت الضغط: فقدان مليون وظيفة في ثلاثة أشهر
تظهر الأزمة بصورة أشد وطأة في سوق العمل الإيراني. فرغم أن معدل البطالة الرسمي يبلغ 9.1 بالمئة، أقر مسؤول في وزارة العمل بفقدان أكثر من مليون وظيفة بحلول أواخر مايو، أي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب.
وتضررت قطاعات البناء والاستيراد والنقل والصناعة بفعل القصف المتواصل وتعطل التجارة ونقص الطاقة. ونقلت رويترز عن رجل أعمال في بندر عباس أن نشاطه التجاري مع دول الخليج توقف تماماً، مما اضطره إلى تسريح عشرة عاملين والاعتماد على مدخراته الشخصية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يقترب التضخم الإيراني من 70 بالمئة بنهاية العام الجاري، وأن ينكمش الاقتصاد بأكثر من 5 بالمئة، في وقت تحتاج فيه طهران إلى تمويل ضخم لإعادة إعمار منشآت الطاقة والنقل والمصانع المتضررة.
النفط والوقود: العقوبات الأميركية تستهدف آخر المنافذ
تستهدف العقوبات الأميركية المرتقبة ما تبقى من منافذ إيران التجارية، وعلى رأسها صادرات النفط. ووفقاً لشركة كبلر لتحليل البيانات، تراجعت تحميلات الخام الإيراني من 893 ألف برميل يومياً في يوليو إلى 156 ألف برميل فقط خلال الأيام الـ17 الأولى من أغسطس، أي بانخفاض يتجاوز 80 بالمئة.
ويزيد توقف المعاملات التجارية والمالية مع الإمارات من الضغط على طهران. فقبل الحرب، كانت الإمارات توفر أكثر من 30 بالمئة من واردات إيران، بقيمة تقارب 21 مليار دولار، وتستقبل نحو 13 بالمئة من صادراتها. هذا التوقف يمثل خسارة فادحة لقطاع التجارة الخارجية الإيراني.
وتواجه البلاد أيضاً فجوة حرجة في البنزين. وقال النائب رضا سباهوند إن الإنتاج يبلغ في أوقات الذروة نحو 130 مليون لتر يومياً، مقابل استهلاك يقدر بـ137 مليون لتر، بعدما أدى الحصار الأميركي إلى وقف الواردات فعلياً.
القلق من عودة الاحتجاجات: السلطة تستعد للأسوأ
تخشى السلطات الإيرانية أن تتحول الأزمة المعيشية إلى موجة احتجاجات جديدة، خاصة بعد اضطرابات يناير التي بدأت بسبب الأسعار قبل أن تتسع سياسياً وتُقمع بعنف. وفي مؤشر على الاستعداد لتجدد الاضطرابات، ربط مسؤول إيراني سابق تحدث إلى رويترز تعيين حسين طائب لقيادة قوات التعبئة الباسيج باستعداد السلطة لاحتمالات متزايدة للاحتجاجات.
كما وثقت منظمات حقوقية تصاعداً في الاعتقالات والاستدعاءات والأحكام بحق صحفيين وناشطين وطلاب، في محاولة لاحتواء أي تحرك شعبي محتمل.
هل الاقتصاد الإيراني على وشك الانهيار؟
لا يعني كل ما سبق أن الاقتصاد الإيراني على شفير الانهيار الكامل؛ فلا تزال الدولة تدعم الوقود، والأسواق تضم السلع الأساسية، كما تحتفظ طهران بشبكات معقدة لتجاوز العقوبات. لكن البيانات المتاحة تظهر أن قدرة الأسر والشركات على امتصاص صدمات جديدة تتراجع بسرعة، وأن العقوبات الأميركية المقبلة قد تدفع الأزمة من ضغوط مزمنة إلى اختبار مباشر لاستقرار الداخل الإيراني.
في المحصلة، يبدو أن خطاب الصمود الذي تتبناه القيادة الإيرانية يواجه اختباراً حقيقياً على أرض الواقع، حيث تلتهم الأسعار الأجور، ويتآكل هامش الصبر الشعبي، بينما تترقب المنطقة والعالم ما ستسفر عنه الجولة المقبلة من المواجهة الاقتصادية.
أسئلة شائعة حول الأزمة الاقتصادية الإيرانية
ما هو معدل التضخم في إيران حالياً؟
بلغ معدل التضخم السنوي في إيران 66 بالمئة في يوليو الماضي، بينما قفز تضخم الغذاء إلى 128 بالمئة، وفق مركز الإحصاء الإيراني.
كيف أثرت العقوبات على صادرات النفط الإيرانية؟
تراجعت تحميلات الخام الإيراني من 893 ألف برميل يومياً في يوليو إلى 156 ألف برميل خلال الأيام الـ17 الأولى من أغسطس، وفق شركة كبلر.
ما حجم الوظائف المفقودة في إيران؟
أقر مسؤول في وزارة العمل الإيرانية بفقدان أكثر من مليون وظيفة بحلول أواخر مايو، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب.