كندا تعيد توجيه بوصلتها نحو أوروبا في تحول استراتيجي غير مسبوق
في خطوة جريئة تعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية الغربية، يتجه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني نحو تعميق العلاقات مع أوروبا، في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة أسوأ أزمة في التاريخ الحديث. وبحسب تقارير صحيفة «وول ستريت جورنال»، يسعى كارني إلى إعادة توجيه جزء كبير من العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية لكندا نحو التكتل الأوروبي، في تحول قد يعيد تعريف مفهوم الشراكة عبر الأطلسي.
ما طبيعة الشراكة الجديدة بين كندا والاتحاد الأوروبي؟
تتجاوز المباحثات الكندية الأوروبية إطار اتفاقيات التجارة التقليدية، حيث تبحث أوتاوا وبروكسل صيغة مبتكرة للتعاون تمنح كندا وضع «عضو منتسب» في الاتحاد الأوروبي. هذا الوضع الجديد، الذي لا يصل إلى حد العضوية الكاملة، سيتيح توسيع التعاون في قطاعات استراتيجية حيوية تشمل الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية، وأشباه الموصلات، والدفاع.
كما تشمل المباحثات تسهيل حركة السلع والخدمات والعمال في قطاعات محددة، مع إمكانية السماح للكنديين بالعيش والعمل في أوروبا دون تأشيرات. وتتضمن الرؤية المشتركة أيضاً مشاريع طموحة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والتخزين السحابي، والأقمار الصناعية.
كيف تستفيد أوروبا من الطاقة الكندية؟
في قطاع الطاقة، تمثل كندا شريكاً استراتيجياً محورياً لأوروبا، حيث تسعى أوتاوا إلى تطوير البنية التحتية اللازمة لتصدير الغاز والأسمدة إلى القارة العجوز، مما يساهم في تقليل الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية. كما تبحث الدولتان التعاون في منطقة القطب الشمالي وفتح طرق جديدة لنقل البضائع، مما يعزز الأمن الطاقوي الأوروبي في مرحلة حساسة من التحولات الجيوسياسية.
ما التحديات التي تواجه هذا التحول الكندي؟
يأتي هذا التحول الاستراتيجي في وقت تعتمد فيه كندا بشكل كبير على السوق الأميركية، حيث تذهب نحو ثلثي صادراتها إلى الولايات المتحدة. ويشكل هذا الاعتماد تحدياً كبيراً لأوتاوا، خاصة أن الاقتصاد الأوروبي قد لا يكون قادراً على استيعاب حجم التجارة الكندية مع أميركا، بحسب الصحيفة الأميركية.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن التقارب مع كندا يمثل اختباراً لقدرة الاتحاد الأوروبي على ابتكار نموذج جديد للعلاقات مع الدول الديمقراطية خارج التكتل. لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من صعوبة تنفيذ بعض طموحات كارني، خاصة أن اتفاقية التجارة بين كندا والاتحاد الأوروبي لم تصدق عليها جميع الدول الأوروبية حتى الآن.
كيف ينظر البيت الأبيض إلى التحرك الكندي؟
يراقب البيت الأبيض التحرك الكندي بحذر، بينما يخشى بعض المسؤولين الأوروبيين من أن تستخدم أوتاوا التقارب مع أوروبا كورقة ضغط في مفاوضاتها مع واشنطن. ويؤكد رئيس الوزراء الكندي أن التحولات التي أحدثتها الإدارة الأميركية الحالية ليست مؤقتة، بل تمثل تغييراً طويل الأمد في طبيعة العلاقات بين البلدين، واصفاً المرحلة الحالية بأنها «قطيعة وليست مرحلة انتقالية».
ما أبعاد التعاون الدفاعي الكندي الأوروبي؟
في المجال الدفاعي، تعزز كندا تعاونها مع أوروبا بشكل ملحوظ، ومن أبرز الخطوات المفاوضات الجارية بشأن شراء غواصات ألمانية بقيمة تصل إلى 25 مليار دولار. كما يعمل الجانبان على تقليل الاعتماد على التكنولوجيا والمعدات الدفاعية الأميركية، في خطوة تعكس رغبة حقيقية في بناء قدرات دفاعية أوروبية كندية مشتركة.
ويمتد التعاون المقترح إلى مجالات التعليم والبحث العلمي، حيث تسعى كندا للانضمام إلى برامج التبادل الطلابي الأوروبية وتعزيز الشراكات بين الجامعات ومراكز الأبحاث، بهدف منافسة قوة المؤسسات الأكاديمية الأميركية.
كيف يصف المسؤولون الكنديون هذا التحول؟
باختصار، يصف أحد المسؤولين الكنديين التحول الجاري بالقول إن بلاده تنتقل من النظر إلى نفسها بوصفها دولة في أميركا الشمالية إلى دولة عابرة للمحيط الأطلسي. هذا التصريح يعكس عمق التحول في الهوية الاستراتيجية الكندية، في محاولة لبناء شراكة استراتيجية جديدة مع أوروبا دون قطع العلاقات بالكامل مع الولايات المتحدة.
تاريخياً، كانت كندا أكثر ارتباطاً بأوروبا قبل الحرب العالمية الثانية، لكن العلاقات الاقتصادية اتجهت بقوة نحو الولايات المتحدة بعد الحرب، وصولاً إلى اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية التي عززت اندماج الاقتصاد الكندي مع الاقتصاد الأميركي. واليوم، يبدو أن كندا تعيد اكتشاف جذورها الأوروبية في سياق عالمي متغير، حيث تبرز الحاجة إلى تنويع الشراكات وبناء تحالفات مرنة تواكب متطلبات القرن الحادي والعشرين.