مولد نووي بحجم كرة شاطئية يختفي في أعماق الهيمالايا
في عصر تسارع التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي الذي نشهده اليوم، تكشف لنا أرشيف التاريخ قصة استثنائية تجمع بين الابتكار التقني والمغامرة الاستكشافية في قلب الحرب الباردة.
تقنية نووية متقدمة في قمم الهيمالايا
في منتصف الستينات، وبعد تفجير الصين لقنبلتها النووية الأولى في أكتوبر 1964، سعت الاستخبارات الأمريكية إلى تطوير تقنيات مراقبة متطورة لرصد الأنشطة النووية الصينية. من هذا السعي، ولدت فكرة ثورية تتمثل في نشر جهاز تنصت يعمل بالطاقة النووية على قمة جبلية في الهيمالايا.
انبثقت هذه الفكرة المبتكرة من حوار بين الجنرال كورتيس ليماي وباري بيشوب، مصور ناشيونال جيوغرافيك والمتسلق الشهير، الذي تحول إلى منظم سري لعملية شديدة التعقيد.
Technology meets Adventure في عملية سرية
تحت غطاء رحلة استكشافية علمية، انطلقت البعثة في سبتمبر 1965 بقيادة الكابتن الهندي إم. إس. كوهلي لتسلق جبل ناندا ديفي. الهدف الحقيقي كان نشر مولد كهربائي نووي من نوع "SNAP-19C"، يزن 23 كيلوغراماً، بحجم كرة شاطئية، ويعمل بنظائر البلوتونيوم المتطورة.
احتوى هذا الجهاز التقني المتقدم على كمية من البلوتونيوم تعادل ثلث الكمية المستخدمة في قنبلة ناغازاكي، مما جعله إنجازاً تقنياً ومصدر قلق بيئي في آن واحد.
قوة الطبيعة تتفوق على التكنولوجيا
في 16 أكتوبر 1965، واجه الفريق عاصفة ثلجية عاتية أجبرت الكابتن كوهلي على اتخاذ قرار مصيري بالانسحاب، مع ترك الجهاز النووي على حافة جليدية. عند العودة في ربيع 1966، اختفى الجهاز تماماً، على الأرجح بسبب انهيار جليدي هائل.
كشف السر والتداعيات الدولية
لم تُكشف هذه القصة إلا في أبريل 1978، عندما نشرت مجلة "أوتسايد" تحقيقاً فجر فضيحة سياسية في الهند. تظهر الوثائق أن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ورئيس الوزراء الهندي مورارجي ديساي عملا على إدارة الأزمة بسرية تامة.
رغم الفشل، شهد عام 1967 نجاحاً جزئياً بتركيب جهاز ثانٍ على قمة ناندا كوت، والذي زود الولايات المتحدة بمعلومات حيوية عن البرنامج النووي الصيني.
تحديات بيئية معاصرة
اليوم، مع تسارع ذوبان الأنهار الجليدية بسبب تغير المناخ، يشكل الجهاز المفقود مصدر قلق بيئي مستمر. الخوف الأساسي هو احتمال تحرر المواد المشعة وانتقالها عبر نهر الغانج، شريان الحياة لمئات الملايين.
كما يبقى هناك قلق أمني من احتمال عثور أطراف غير مخولة على البلوتونيوم واستخدامه في صنع "قنبلة قذرة"، مما يستدعي مراقبة تقنية متطورة للمنطقة.
درس في التوازن بين الابتكار والمسؤولية
تبقى هذه الحادثة شاهدة على عصر اختلطت فيه الابتكارات التقنية المتقدمة بالمغامرات الاستكشافية، منتجة إرثاً من التحديات البيئية والأمنية التي تتطلب حلولاً تقنية معاصرة.
حتى اليوم، ترفض حكومتا الولايات المتحدة والهند التعليق رسمياً على هذه الحادثة، التي تذكرنا بأهمية التوازن بين الطموح التقني والمسؤولية البيئية في عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.