قناة بنما تتحول إلى ساحة اختبار للنفوذ العالمي بين واشنطن وبكين
تشهد قناة بنما تحولاً استراتيجياً من ممر تجاري حيوي إلى نقطة محورية في الصراع الجيوسياسي المعاصر بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والصين. هذا التطور يعكس كيف أصبحت البنية التحتية العالمية أداة في معادلات القوة الناعمة والنفوذ الاستراتيجي.
صفقة الموانئ بمليارات الدولارات
وفقاً لتقرير Bloomberg، فإن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستعادة السيطرة على قناة بنما خلال خطاب تنصيبه، وضعت قطب هونغ كونغ لي كا شينغ في خضم معركة بالوكالة بين القوتين العظميين.
تدير شركة تابعة لمجموعة لي، CK Hutchison Holdings، موانئ على طرفي قناة بنما منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. هذان الميناءان جزء من صفقة واسعة النطاق كشفت عنها الشركة في مارس الماضي لبيع 43 ميناءً من موانئها العالمية إلى تحالف من المشترين، من بينهم شركة BlackRock.
التحديات التنظيمية والسياسية
رحب ترامب بالاتفاق باعتباره استعادة أمريكية للنفوذ، لكنه أثار غضب الحكومة الصينية التي نددت بالصفقة. تعثرت المفاوضات بسبب عقبات تنظيمية وعدم وضوح دور شركة China COSCO Shipping المملوكة للدولة.
ازدادت الأمور تعقيداً بعد قضاء المحكمة العليا في بنما في يناير بأن العقد الممنوح لشركة CK Hutchison لإدارة ميناءي بالبوا وكريستوبال غير دستوري.
الأهمية الاستراتيجية للقناة
تسيطر شركة موانئ بنما على ميناءين من أصل خمسة موانئ مجاورة لقناة بنما، وهي ممر مائي استراتيجي يربط المحيط الهادئ بالبحر الكاريبي، ويتعامل مع ما يقارب 3% من التجارة البحرية العالمية.
يمر حوالي 40% من حركة الحاويات الأمريكية عبر قناة بنما سنوياً، والتي تنقل ما يقرب من 270 مليار دولار من البضائع سنوياً، مما يجعلها عقدة حيوية في سلاسل الإمداد العالمية.
التنافس الجيوسياسي الجديد
يشير الدكتور محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، إلى أن قناة بنما باتت ساحة تنافس جيوسياسي غير مباشر، تتقاطع فيها اعتبارات السيادة الوطنية البنمية مع حسابات التوازن بين القوى الكبرى.
من جهته، يؤكد خبير العلاقات الدولية أبو بكر الديب أن القناة تحولت إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إدارة ترامب والصين في معركة فرض النفوذ العالمي، مشيراً إلى أن أي طرف يمتلك تأثيراً عليها يمتلك ورقة ضغط جيوسياسية واقتصادية هائلة.
الهيمنة البحرية الصينية
وفقاً لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، تسيطر الصين على أكثر من 100 ميناء خارجي في كل قارة باستثناء القارة القطبية الجنوبية، وتصنع أكثر من 95% من حاويات الشحن و70% من الرافعات البحرية الشاطئية.
تهيمن الصين على دفاتر طلبات بناء السفن عالمياً، حيث ستتدفق نحو ثلثي الطلبات العالمية إلى الأحواض الصينية في عام 2025.
مستقبل الصراع
يمثل ما يجري حول قناة بنما فصلاً جديداً من إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث تتعامل واشنطن مع القناة كخط دفاع استراتيجي أمام التمدد الصيني، بينما تراها بكين بوابة ضرورية لتأمين تجارتها العالمية وتخفيف الاعتماد على الممرات الخاضعة للنفوذ الأمريكي.
هذا التنافس يجعل قناة بنما في قلب صراع نفوذ طويل قد يتصاعد اقتصادياً وسياسياً خلال السنوات المقبلة، مما يؤكد على أهمية البنية التحتية كأداة جيوسياسية في العصر الحديث.