في October 2026، توّج الروائي السوداني مهند رجب الدابي بجائزة كتارا للرواية العربية عن روايته «حصار الغزالة واو»، وهي جائزة تحمل قيمة مالية تبلغ 30 ألف دولار إلى جانب ترجمة العمل إلى اللغة الإنجليزية، مما يفتح أمام الرواية آفاقاً لقراء خارج السودان.
اللافت في قصة هذا التتويج أنها بدأت من رماد مكتبة خاصة جمعها الدابي على مدى ثلاثين عاماً قبل أن تحترق في ظروف الحرب السودانية. ومن هذا الفقد خرجت رواية تمنح مأساة وطن صوتاً إنسانياً، وتؤكد أن الكلمة تبقى أقدر ما يقاوم به الإنسان محو الحكايات.
من الرماد إلى التتويج
أمضى الدابي ثلاثة عقود في جمع الكتب، قبل أن يرى حصيلة عمره تحترق. ولم يكن الحريق مجرد خسارة مادية، بل فقدان لجزء من ذاكرته وتكوينه، ولمخطوطات أمضى سنوات في كتابتها، من بينها رواية «السرايا الصخرية» وكتابات أنجزها بين عامي 2018 و2023.
لكن ما بقي من التجربة لم يكن الرماد وحده. فمن ذاكرة مثقلة بمشاهد العنف والانتهاكات التي يقول إنه عاينها خلال الحرب السودانية، خرجت «حصار الغزالة واو» التي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2026 في فئة الروايات العربية المنشورة.
وفي شهادة نقلها قناة العربية، قال الدابي: «كتبت الرواية انتقاماً لمكتبتي التي جمعتها طوال 30 عاماً، ثم أحرقها المتمرد ليوقد بها ناراً للشاي. ثم شاهدت امرأة سودانية تُشنق أمام طفليها اللذين شُنقا بالحبل ذاته، ثم توالدت الجرائم أمامي، ولم أستطع تخطي كل ذلك إلا بكتابة العمل، الذي أتمنى أن يذكرنا دائماً بالحرب وما وقع على السودانيين والسودانيات من انتهاكات جسيمة».
«حصار الغزالة واو»: عودة إلى الجحيم
في الرواية الفائزة، تعود الدكتورة وصال الدرديري إلى السودان بعد عشرين عاماً أمضتها في أوروبا، برفقة زوجها وابنتيها اللتين لا تعرفان البلاد ولا تتحدثان العربية. غير أن العودة التي تبدو استعادة للجذور تتحول إلى مواجهة مع واقع مضطرب يضع الأسرة أمام اختبارات قاسية.
وتتقاطع الحكاية العائلية مع تداعيات الحرب والتحولات التي أعادت تشكيل السودان، فيما تتوزع مصائر الشخصيات بين الاعتقال والرصاص والفقد، كاشفة كيف تتسلل الحرب إلى أدق تفاصيل الحياة وتمزق الروابط الإنسانية.
مساءلة تتجاوز المعركة
ولا تقف الرواية عند رصد العنف المسلح، بل تمتد إلى مساءلة العادات والتقاليد الأبوية التي تضيق على النساء وتحد من خياراتهن. ومن خلال مصائر شخصياتها، يطرح الدابي سؤالاً يتجاوز حدود المعركة: ماذا يحدث للمجتمع حين تتداخل المأساة العامة مع القيود التي تحاصر الأفراد في حياتهم الخاصة؟
في هذا العالم الروائي، لا تبدو الحرب مجرد خلفية للأحداث، بل قوة تعيد تشكيل العلاقات وتضع قدرة الإنسان على مواصلة الحياة أمام اختبار يومي. وحتى حين تلوح للشخصيات فرصة للنجاة، يظل الخوف من تجدد المأساة حاضراً، كأن الحرب لا تترك لأحد ضمانة حقيقية بالخروج من دائرتها.
جائزة وأمل في السلام
يمثل الفوز بجائزة كتارا محطة مهمة في مسيرة الدابي، ليس فقط لما تحمله من قيمة أدبية، بل لما تتيحه من فرصة لوصول الرواية إلى قراء خارج السودان مع ترجمتها إلى الإنجليزية. وتكتسب هذه الفرصة أهمية إضافية لأن العمل يحمل تجربة سودانية تطرح أسئلة عن الحرب والذاكرة والقدرة على مواصلة الحياة بعد الخسارة.
وقال الدابي: «أنا سعيد بأنني كنت سبباً في إسعاد السودانيين في كل مكان. إن السودان يستحق أن ينتصر ويعيش في سلام، وأتمنى دائماً أن ننظر إلى السودان في هذا الوقت والموقف الصعب بعين ناضجة قوية، وأن ندعم، ما استطعنا، حركة الإعمار والتنمية في السودان».
من هو مهند رجب الدابي؟
ولد الدابي قبل 41 عاماً، وسبق أن أصدر عدداً من الأعمال الروائية، من بينها «سحرة الضفاف» عام 2014، و«هوج النيازك» عام 2016، و«أطياف هنري ولكم» عام 2018، و«وقائع جبل مويا» عام 2020. كما يدير مؤسسة نيرفانا الثقافية، التي يقول إن قوات الدعم السريع احتلت مقرها في الخرطوم واستخدمته ثكنة عسكرية.
ويعمل الروائي حالياً على رواية جديدة لا يزال مخطوطها قيد المراجعة والتحرير، في استمرار لمسار أدبي لم توقفه الحرب، رغم ما ألحقته بحياته ومكتبته ومشروعاته من خسائر.
الكتابة كشكل من أشكال المقاومة
تستند الرواية، بحسب ما يقدمه مؤلفها، إلى أحداث مستوحاة من الواقع، لكنها تعيد بناء التجربة عبر شخصيات ومسارات سردية تتيح مساءلة الحرب وآثارها الإنسانية. فالأدب هنا لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يقترب من أثرها في النفوس والعلاقات، ومن المصائر التي لا تظهر دائماً في أرقام الضحايا وتقارير الانتهاكات.
بين مكتبة جمعها منذ صباه ثم خسرها، ومخطوطات ضاعت، ومشاهد عنف يقول إنه لم يستطع تجاوزها إلا بالكتابة، يواصل الدابي مشروعه الأدبي. وفي «حصار الغزالة واو»، يحاول أن يمنح الحرب وجهاً إنسانياً وأسماء ومصائر.
فحين تعجز الكلمات عن إعادة ما احترق، قد يكون في وسعها أن تحفظ أثره. وحين يعجز الكاتب عن إنقاذ الضحايا، يستطيع أن يقاوم اختيار حكاياتهم. هكذا تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال المقاومة، لا تعيد ما أخذته الحرب، لكنها تقف في وجه محو الحكايات التي خلّفتها وراءها.
أسئلة شائعة
ما هي جائزة كتارا للرواية العربية؟
جائزة أدبية قطرية تُمنح للأعمال الروائية العربية، وقيمتها في فئة الروايات المنشورة 30 ألف دولار، إلى جانب ترجمة العمل الفائز إلى اللغة الإنجليزية.
لماذا كتب مهند رجب الدابي روايته «حصار الغزالة واو»؟
قال الدابي إنه كتبها انتقاماً لمكتبته التي جمعها طوال 30 عاماً ثم أُحرقت، ولمواجهة مشاهد العنف والانتهاكات التي شهدها خلال الحرب السودانية.
ما قصة رواية حصار الغزالة واو؟
تروي عودة الدكتورة وصال الدرديري إلى السودان بعد عشرين عاماً في أوروبا، لتتحول العودة إلى مواجهة مع تداعيات الحرب وواقع مضطرب يختبر الأسرة بأكملها.
هل ستُترجم الرواية إلى الإنجليزية؟
نعم، تشمل جائزة كتارا ترجمة الرواية الفائزة إلى اللغة الإنجليزية بما يمنحها فرصة للوصول إلى جمهور أوسع خارج السودان.
