ترامب والغاز: كيف تحولت الطاقة إلى ورقة ضغط استراتيجية؟
في عصر يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، تبرز الطاقة كأحد أهم محركات النفوذ العالمي. وتواجه أوروبا اليوم واقعاً جديداً يتمثل في تزايد اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال الأميركي، ما يمنح إدارة الرئيس دونالد ترامب نفوذاً استراتيجياً غير مسبوق في القارة العجوز.
من الاعتماد الروسي إلى التبعية الأميركية
اعتمدت أوروبا لسنوات طويلة على الغاز الروسي لتلبية احتياجاتها من الطاقة، ما وفر لها مصدراً منخفض التكلفة واستقراراً نسبياً في أسواق الطاقة. لكن اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 قلب هذه المعادلة، وأدى إلى تقلص الإمدادات الروسية وارتفاع الأسعار، ما دفع القارة إلى البحث عن مصادر بديلة لتأمين استقرارها الاقتصادي والسياسي.
انتقلت أوروبا سريعاً نحو الغاز الطبيعي المسال الأميركي، الذي أصبح اليوم شرياناً حيوياً يربط القرار الأوروبي بالقدرة الأميركية على التسعير والإمداد وتوقيت الضخ. ورغم أن هذا التحول جاء كاستجابة طارئة لتداعيات الحرب، فإنه في الوقت نفسه شكل نقطة قوة جديدة للولايات المتحدة، تمنحها نفوذاً سياسياً واقتصادياً غير مسبوق في أوروبا.
أرقام تكشف حجم التحول
تشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة كانت مورداً متواضعاً للغاز الطبيعي إلى أوروبا، حيث بلغت حصتها حوالي 5% من الواردات في أواخر عام 2019، لكنها نمت منذ ذلك الحين، حيث توفر أكثر من ربع واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز في عام 2025.
ويتوقع خبير العلاقات الاقتصادية الدولية محمد الخفاجي أن يصل اعتماد أوروبا على الغاز الأميركي إلى ما بين 75 و80 بالمئة من واردات الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030، في حال استمرار الاتفاقيات طويلة الأجل.
استراتيجية ترامب الجديدة
وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، مع تزايد اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الأميركي، يتزايد نفوذ ترامب. وأثار التوتر بشأن غرينلاند مخاوف من أن إدارة ترامب قد تحول صناعة النفط والغاز الأميركية إلى وسيلة للضغط على أوروبا.
ويقول المحللون إن التوترات الكامنة بين القادة في واشنطن وبروكسل قد تحول اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الأميركي إلى نقطة ضغط سياسي مماثلة لما كانت عليه مع روسيا.
التداعيات الاستراتيجية
يرى خبير العلاقات الدولية أبو بكر الديب أن تزايد اعتماد أوروبا على الغاز الأميركي لم يعد مجرد تحول في مصادر الطاقة أو استجابة مؤقتة لتداعيات الحرب في أوكرانيا، إنما بات يمثل ركيزة أساسية في إعادة تشكيل ميزان القوة عبر الأطلسي.
وأضاف الديب أن "الغاز المسال الأميركي تحول إلى شريان حيوي يربط القرار الأوروبي بالقدرة الأميركية على التسعير، والإمداد، وتوقيت الضخ، ما منح واشنطن نفوذاً غير مسبوق في معادلة أمن الطاقة الأوروبي".
التحديات والحلول المستقبلية
حذرت مسؤولة المنافسة في الاتحاد الأوروبي، تيريزا ريبيرا، من الاعتماد "بشكل مفرط" على واردات الغاز الطبيعي المسال الأميركية في الوقت الذي يسعى فيه التكتل إلى تنويع سلة الطاقة الخاصة به.
وأضافت: "نعلم أننا لا نستطيع الاعتماد على الغاز الروسي، وأنه يجب علينا الانتباه إلى عدم الاعتماد كثيراً على الغاز الأميركي".
نحو استقلالية طاقوية حقيقية
في ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تطوير استراتيجيات طاقوية متنوعة ومستدامة. ويشدد الخبراء على ضرورة تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الغاز الأحفوري مستقبلاً.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال الطاقة، وتطوير تقنيات جديدة تضمن أمن الطاقة دون الوقوع في فخ التبعية لمصدر واحد، مما يحقق التوازن المطلوب بين الأمن الطاقوي والاستقلال الاستراتيجي.