روسيا تقيد Telegram مجدداً في صراع السيادة الرقمية
في تطور يعكس التوترات المتزايدة حول السيادة الرقمية، بدأت السلطات الروسية مجدداً بتقييد الوصول إلى تطبيق Telegram، في خطوة تهدف إلى توجيه المواطنين نحو البدائل المحلية الخاضعة للرقابة الحكومية.
استراتيجية التحكم الرقمي
أعلنت الحكومة الروسية أن هذه الإجراءات تأتي لـ"حماية المواطنين الروس"، متهمة التطبيق برفض حجب المحتوى الذي تصنفه السلطات كـ"إجرامي وإرهابي". وأكدت هيئة تنظيم الاتصالات الروسية أنها ستواصل هذه القيود "إلى حين القضاء على انتهاكات القانون الروسي".
وبحسب الهيئة التنظيمية، فإن "البيانات الشخصية غير محمية، ولا توجد إجراءات فعالة لمكافحة الاحتيال أو استخدام خدمة المراسلة لأغراض إجرامية وإرهابية".
رد فعل Telegram والتداعيات التقنية
ترفض إدارة تطبيق Telegram هذه الاتهامات، مؤكدة أنها "تكافح بنشاط الاستخدام الضار". وذكرت وكالة الأنباء الروسية الرسمية "تاس" أن التطبيق يواجه غرامات بقيمة 64 مليون روبل (828 ألف دولار أمريكي).
مع تطبيق هذه الإجراءات، أبلغ مستخدمون في جميع أنحاء روسيا عن اضطرابات واسعة النطاق، حيث سجل موقع Downdetector المتخصص في تتبع الخدمات الرقمية أكثر من 11 ألف شكوى خلال الـ24 ساعة الماضية.
موقف مؤسس التطبيق
صرح بافيل دوروف، مؤسس Telegram المولود في روسيا، بأن محاولة روسيا "تقييد التطبيق ستفشل"، مؤكداً أن "Telegram يمثل حرية التعبير والخصوصية، مهما كانت الضغوط".
وأشار دوروف إلى أن "روسيا تقيد الوصول إلى Telegram في محاولة لإجبار مواطنيها على التحول إلى تطبيق تسيطر عليه الدولة، مصمم للمراقبة والرقابة السياسية"، مقارناً الوضع بتجربة إيران التي "فشلت" في استراتيجية مماثلة قبل 8 سنوات.
البديل الحكومي: تطبيق "ماكس"
في إطار استراتيجيتها للسيادة الرقمية، تروج الحكومة الروسية لتطبيق "ماكس" كبديل محلي، والذي تشترط تثبيته مسبقاً على جميع الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية الجديدة المباعة في البلاد.
في تطور مثير للاهتمام، طُور هذا التطبيق بواسطة شركة VKontakte، التي شارك دوروف نفسه في تأسيسها قبل بيع أسهمه ومغادرته روسيا في 2014، بعد أن صرح بأن الكرملين طلب منها تسليم بيانات المستخدمين الأوكرانيين.
السياق التاريخي والإقليمي
ليست هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها روسيا Telegram، حيث يشير آدم سيغال، مدير برنامج السياسات الرقمية في مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن سعي روسيا لعزل مواطنيها عن التطبيقات الخارجية يعود إلى ما يقارب عقداً من الزمن.
وفي السنوات الأخيرة، درست روسيا "جدار الحماية العظيم" الصيني، واشترت تكنولوجيا من الصين لتعزيز قدراتها في مراقبة الإنترنت، وفقاً لسيغال.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم هذه الجهود، يعتقد سيغال أن "الروس لم يصلوا بعد" إلى مستوى المراقبة الصينية، متوقعاً أن تكون جهود روسيا "أشبه بخطوتين للأمام وخطوة للخلف".
وأشار إلى أن روسيا "ستظل مضطرة للتعامل مع قيودها التقنية، فضلاً عن الضغوط الداخلية لمواصلة استخدام التطبيقات العالمية"، خاصة من المدونين العسكريين الذين ينتقدون هذه الخطوة.
هذا التطور يسلط الضوء على التحديات المعقدة التي تواجه الدول في عصر التكنولوجيا الرقمية، بين الأمن القومي وحرية التواصل، وبين السيادة المحلية والانفتاح العالمي.