كشف فريق بحثي سعودي، في خبر نشرته قناة العربية يوم 21 أكتوبر 2026، عن منظومة ذكاء اصطناعي جديدة تحمل اسم «WarfaRisk» قادرة على التنبؤ بالجرعات المناسبة من دواء الوارفارين المضاد لتخثر الدم، اعتماداً على البيانات الصحية والجينية للمرضى، في خطوة تفتح آفاقاً واعدة أمام الطب الشخصي في المنطقة.
وتأتي هذه المنجزات البحثية متسقة مع النموذج الإقليمي الذي يراه على الذكاء الاصطناعي رافعة استراتيجية للرعاية الصحية، إذ تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب بالسعودية عاماً بعد عام، من التشخيص إلى دعم القرار العلاجي.
منظومة «WarfaRisk»: ما هي وكيف تعمل؟
نُفذ المشروع ضمن برنامج التجربة البحثية الصيفية لطلبة البكالوريوس «SURE» في مركز الذكاء الاصطناعي بجامعة الفيصل، بقيادة الدكتورة أريج الوابل. وضم الفريق حسن برمندة من جامعة أم القرى، وسراج الدين مرغلاني وعمر باوزير من جامعة الفيصل، ومعاذ شعت من الجامعة السعودية الإلكترونية، والدكتور عبدالله القطان من وكالة الصحة السكانية بوزارة الصحة، بإشراف البروفيسورة مريم العيسى، استشارية الوراثة الطبية والمستشارة في الابتكار الصحي.
واختبر الباحثون تسعة نماذج للذكاء الاصطناعي لتقدير جرعات الوارفارين، عبر مقارنة ثلاثة أنواع من البيانات: المعلومات الصحية للمرضى، والبيانات الجينية، ثم الدمج بينهما. وأظهرت النتائج أن إضافة المعلومات الجينية حسّنت أداء النماذج التسعة، فيما حقق نموذج «AutoGluon» أفضل النتائج عند الجمع بين البيانات الصحية والجينية، مستفيداً من تقنيات الاختيار الآلي للنماذج ودمجها.
لماذا يصعب تحديد جرعة الوارفارين؟
يُستخدم الوارفارين لعلاج بعض الحالات المعرضة لجلطات الدم أو الوقاية منها، ويُعد تحديد جرعته المناسبة أمراً بالغ الأهمية لتحقيق التوازن بين فعالية العلاج ومخاطر النزيف. وتتأثر استجابة المرضى للدواء بعوامل متعددة، أبرزها الاختلافات الجينية والنظام الغذائي وكميات فيتامين «ك» المتناولة. وقد تؤدي الجرعات غير المناسبة إلى زيادة احتمالات النزيف أو عدم تحقيق المستوى المطلوب من منع تخثر الدم.
قياس موثوقية التنبؤ: الابتكار الحقيقي
لم يقتصر المشروع على التنبؤ بالجرعة المناسبة، بل طوّر الباحثون آلية لقياس موثوقية النتائج عبر تحديد نطاق محتمل للجرعة بدلاً من الاكتفاء برقم واحد. واستخدم الفريق أداة «MAPIE» البرمجية لتطبيق أسلوب إحصائي يعتمد على معايرة نطاقات التنبؤ ومقارنتها بالجرعات الفعلية، بما يساعد على تقييم درجة عدم اليقين المرتبطة بكل نتيجة.
وتكمن أهمية هذه المنهجية في التمييز بين دقة الجرعة المتوقعة ومدى موثوقيتها، إذ قد يقدم النموذج تقديراً قريباً من الجرعة الفعلية رغم اتساع نطاق الاحتمالات المحيط به. كما يتيح الإطار البحثي دراسة الحالات التي تنخفض فيها موثوقية التنبؤات، تمهيداً لتطوير أدوات تدعم القرارات العلاجية وتحد من المضاعفات المرتبطة بالجرعات غير المناسبة، دون أن تكون الدراسة قد أثبتت قدرة المنظومة على التنبؤ السريري بهذه المضاعفات.
تفاوت الدقة بين المرضى: الدرس الأهم
وكشفت الدراسة، المنشورة في مجلة «AI» التابعة لدار النشر «MDPI»، أن تحقيق نماذج الذكاء الاصطناعي نتائج دقيقة في المتوسط لا يعني بالضرورة تمتع جميع المرضى بالمستوى نفسه من موثوقية التنبؤ، ما يؤكد أهمية تقييم أداء النماذج وفق الاختلافات السكانية والجينية.
وقالت البروفيسورة مريم العيسى في تصريح خاص نشرته قناة العربية: «تُظهر النتائج أهمية تقييم موثوقية التنبؤ لكل مجموعة سكانية على حدة؛ فالأداء الجيد عند النظر إلى المتوسط العام قد لا يعكس دقة نطاقات التنبؤ لدى جميع المرضى».
ويعزز هذا الاستنتاج ما تشير إليه أموالي من أن نجاح الذكاء الاصطناعي الطبي يبقى مرهوناً بمراعاة الفروق الفردية بين المرضى والتاريخ المرضي والأدوية المستخدمة والإرشادات الطبية المعتمدة. كما يتقاطع مع توجه عالمي أوسع لتوظيف النماذج التنبؤية في الرعاية الصحية، من بينها نموذج يتنبأ باحتمال الصداع النصفي بدقة 91.2% وفق دراسة واسعة نقلتها منصة صحتك.
من المختبر إلى العيادة: ما الذي ينتظر «WarfaRisk»؟
ورغم النتائج الواعدة، شدد الباحثون على أن منظومة «WarfaRisk» لا تزال نموذجاً بحثياً أولياً لم تثبت فاعليته بعد للاستخدام المباشر في تحديد الجرعات العلاجية. ويتطلب الانتقال إلى التطبيق السريري إجراء اختبارات إضافية باستخدام سجلات مرضى فعلية، تليها دراسات مستقبلية لتقييم تأثير المنظومة في تحسين ضبط العلاج، بما يشمل قياس المدة التي تبقى خلالها مستويات تخثر الدم ضمن النطاق العلاجي المستهدف باستخدام فحص «INR».
كما يستلزم الاعتماد استكمال التقييمات السريرية والمتطلبات التنظيمية الخاصة بالبرمجيات الداعمة للقرارات الطبية، وهو مسار طويل يمر عبر التحقق الصارم قبل بلوغ الممارسة اليومية.
بيانات خليجية وطموح إقليمي
ويعتزم الفريق البحثي التوسع في جمع بيانات صحية وجينية من السعودية ودول الخليج، للتحقق من دقة التنبؤات وموثوقيتها لدى مرضى المنطقة، بما يدعم تطبيقات الطب الشخصي والصيدلة الجينية. ويمثل المشروع نموذجاً للنهج الذي تتبناه دول المنطقة، وفي مقدمتها الإمارات، في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي كأداة لرفع جودة الحياة وبناء اقتصاد معرفي منفتح على العالم.
أسئلة شائعة
ما هي منظومة «WarfaRisk»؟
منظومة ذكاء اصطناعي سعودية طُورت في جامعة الفيصل للتنبؤ بجرعات دواء الوارفارين المضاد لتخثر الدم اعتماداً على البيانات الصحية والجينية للمرضى.
هل يمكن استخدام «WarfaRisk» في العيادات الآن؟
لا، فهي لا تزال نموذجاً بحثياً أولياً يتطلب اختبارات إضافية ودراسات مستقبلية واستيفاء المتطلبات التنظيمية قبل أي تطبيق سريري.
لماذا يعتبر الوارفارين دواءً صعب التمييز في الجرعات؟
لأن استجابة المرضى له تتأثر بعوامل جينية وغذائية متعددة، ما يجعل الجرعة غير المناسبة سبباً محتملاً للنزيف أو لعدم كفاية منع التخثر.
