كشفت دراسة علمية حديثة أن الأخطبوط لا يعبر الفتحات الضيقة بالانكماش العشوائي، بل يتبع تسلسلاً حركياً منظماً يتغير بحسب حجم الفتحة، في اكتشاف قد يمهد الطريق لتطوير جيل جديد من soft robotics قادر على التحرك داخل الأماكن الضيقة والأنقاض.
وبحسب تقرير سكاي نيوز عربية المنشور في 7 نوفمبر 2026، فإن الباحثين رصدوا استراتيجيتين مختلفتين يستخدمهما الأخطبوط للانضغاط عبر الفتحات، وهي قدرة تعرف علمياً بسلوك الانضغاط، تتيح للحيوان المرور عبر مساحات أصغر من حجم جسمه.
بنية بلا عظام تتحرك بالسوائل والعضلات
وعلى عكس الإنسان والحيوانات ذات الهياكل العظمية الصلبة، يتمتع الأخطبوط بجسم شديد المرونة يصفه العلماء بأنه بنية عضلية تعتمد على السوائل للدعم والحركة، إذ توفر العضلات الوظيفتين معاً من دون حاجة إلى عظام. وتتميز أذرعه الثمانية بقدرتها على الانثناء والتمدد، بينما يستطيع الجزء المركزي من جسمه، المعروف بالعباءة، تغيير شكله بالكامل.
وأضاف التقرير أن جهازه الدوري مهيأ للتعامل مع الالتواءات والتقلصات، إذ تحتوي الأوعية الدموية الرئيسية على أنظمة ضخ تحافظ على تدفق الدم حتى عند تعرض أجزاء من الجسم للضغط الشديد.
استراتيجيتان مختلفتان بحسب حجم الفتحة
وفي التجارب، صور الباحثون ثلاثة أخطبوطات من النوع الشائع في مرحلة ما قبل البلوغ أثناء محاولتها عبور فتحة قابلة للتعديل، ورصدوا استراتيجيتين رئيسيتين: مناورة من ثلاث خطوات عندما يكون عرض الفتحة أكبر من المسافة بين عيني الأخطبوط، ومناورة من أربع خطوات عندما تكون الفتحة أضيق.
وقال وينسي شين، الباحث في مختبر الروبوتات اللينة بجامعة سنغافورة الوطنية وأحد معدي الدراسة المنشورة في دورية Journal of Experimental Biology، إن الفريق سعى إلى معرفة ما إذا كان هناك نمط عام يحكم تنفيذ هذا السلوك بما يمكن الاستفادة منه في تطوير الروبوتات مستقبلاً.
وقال شين: 'في البداية توقعنا أن تستخدم الحيوانات الاستراتيجية نفسها، لكننا فوجئنا عندما وجدنا أن الاستراتيجية تغيرت'.
كيف ينفذ الأخطبوط المناورتين؟
في المناورة المكوّنة من ثلاث خطوات، يستكشف الأخطبوط الفتحة أولاً بذراع واحدة، ثم يمرر عدداً من أذرعه الأخرى عبرها، قبل أن يستخدم الأذرع المدخلة للضغط على الحاجز وسحب بقية الأذرع والرأس والعباءة إلى الجانب الآخر. أما في الفتحات الأضيق، فيضيف خطوة رابعة تتمثل في سحب الأذرع المتبقية عبر الفتحة، ثم تمرير الرأس والعباءة كل على حدة.
ولا يزال العلماء غير متأكدين من العامل الذي يحدد أضيق فتحة يمكن للأخطبوط عبورها. فالمنقار، الجزء الصلب الوحيد في جسم الحيوان والذي يؤدي وظيفة الفكين، كان يعتبر منذ فترة طويلة العامل المحدد، لكن شين أوضح أن التجارب تشير إلى احتمال أن يكون حجم الأذرع القريبة من الجسم هو العامل المؤثر بدلاً منه.
حاسة اللمس وأنماط مختلفة بين الأنواع
ويوفر الانضغاط للأخطبوط وسيلة للهروب إلى المساحات الضيقة، كما يتيح له الوصول إلى فرائس يصعب على كائنات بحرية أخرى بلوغها. وقال مايكل كوبا، عالم الأحياء بجامعة نابولي فيديريكو الثاني المشارك في إعداد الدراسة، إن الأخطبوط يستخدم حاسة اللمس في أذرعه لاستكشاف الفتحات قبل محاولة العبور.
وأشار كوبا إلى أن الأخطبوط الشائع مفترس عام يعيش في المياه الساحلية، لا سيما حول الشواطئ الصخرية التي تكثر فيها الثقوب والفتحات، بينما قد تعتمد الأنواع التي تسكن القيعان الرملية أو تختلف في أشكال أجسامها وأطوال أذرعها استراتيجيات أخرى لاجتياز الفتحات.
من المحيط إلى مختبرات الهندسة
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة في ظل التوجه العالمي المتسارع نحو robotics متعددة الاستخدامات. فروبوتات البحث والإنقاذ المصممة للتحرك وسط الأنقاض غالباً ما تكون طويلة ونحيلة، لأنها تحتاج إلى مقطع عرضي صغير يسمح لها باجتياز الفجوات الضيقة، كما أوضح شين.
وأضاف أن الروبوتات المستوحاة من الأخطبوط قد تتمكن من حمل معدات أكثر، من خلال تزويد أذرعها المرنة بأجهزة استشعار أو أدوات أو معدات اتصال مختلفة، وهو ما يوسع نطاق تطبيقاتها من عمليات الإنقاذ إلى الاستكشاف والصيانة في بيئات يصعب الوصول إليها.
لكن تصنيع روبوت من هذا النوع لا يزال يمثل تحدياً هندسياً. إذ يتعين أن تكون أذرعه لينة بما يكفي للانضغاط عبر الفتحات الضيقة، وقادرة في الوقت نفسه على الانحناء والالتواء والتمدد لسحب بقية الجسم عبر الفتحة. وتكمن الصعوبة في أن المشغلات التقليدية اللازمة للتحكم في هذه الحركات المعقدة تضيف عادة مكونات صلبة إلى الروبوت، ما يقلل من مرونته.
وبالنسبة إلى كوبا، فإن الدراسة تبرز أيضاً محدودية المعرفة الإنسانية بهذا الكائن البحري، إذ قال: 'ينجذب البشر إلى الأخطبوط باعتباره الكائن الذكي الرخو في المحيط، لكننا لا نعرف سوى القليل جداً عن كيفية عيشه حياته اليومية'.
أسئلة شائعة
كيف يعبر الأخطبوط الفتحات الضيقة؟
يستكشف الفتحة بذراع واحدة أولاً، ثم يمرر عدة أذرع عبرها ويسحب بقية جسمه، مع إضافة خطوة رابعة تتمثل في سحب الأذرع المتبقية ثم تمرير الرأس والعباءة كل على حدة عندما تكون الفتحة أضيق من المسافة بين عينيه.
ما الفائدة الهندسية من هذه الدراسة؟
يساعد فهم التسلسل الحركي للأخطبوط في تصميم soft robots قادرة على التحرك عبر مساحات ضيقة وحمل معدات وأجهزة استشعار، خاصة في عمليات البحث والإنقاذ وسط الأنقاض.
ما الذي يحدد أضيق فتحة يمكن للأخطبوط عبورها؟
كان المنقار يعتبر العامل المحدد، لكن تجارب الباحثين تشير إلى احتمال أن يكون حجم الأذرع القريبة من الجسم هو العامل المؤثر، مع بقاء المسألة قيد البحث.
