دار الإفتاء المصرية تحسم الجدل حول صيام رجب والأحاديث الواردة فيه
في إطار التطوير المستمر للفتوى الدينية وتطبيق أحدث الأساليب العلمية في البحث الشرعي، أصدرت دار الإفتاء المصرية بيانا مفصلا حول حكم صيام شهر رجب، مؤكدة على ضرورة التعامل مع النصوص الدينية بمنهجية علمية حديثة.
منهجية علمية في تقييم الأحاديث
أوضحت الدار عبر موقعها الرسمي أن الأحاديث الواردة في صيام شهر رجب لا يصح منها شيء، مستشهدة بما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب "تبيين العجب" بأنه لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة.
وفي الوقت ذاته، أشارت الدار إلى استحباب التنفل بالصيام في شهر رجب كما هو مستحب طوال العام، بمعنى عدم تخصيص الشهر بالصيام كما أوضحت سابقا.
فتوى مفصلة من المفتي السابق
ردا على سؤال وصل إلى دار الإفتاء حول جواز صيام شهر رجب، حيث ذكر السائل أن بعض الناس يعتبرون تخصيص شهر رجب بالصيام بدعة محرمة، أجاب الدكتور شوقي علام، المفتي السابق للجمهورية، موضحا أن الصحيح عند جمهور الفقهاء هو استحباب التنفل بالصيام في شهر رجب.
وأكد علام أن الصوم في رجب، وإن لم يصح في استحبابه حديث بخصوصه، إلا أنه داخل في العمومات الشرعية التي تندب للصوم مطلقا، فضلا عن أن الوارد فيه من الضعيف المحتمل الذي يُعمل به في فضائل الأعمال.
الأدلة الشرعية والنصوص الصحيحة
أكدت دار الإفتاء أن النصوص الصحيحة الأخرى العامة التي ترغب في الصيام التطوعي مطلقا تكفي في إثبات المشروعية، حيث إن القاعدة أن العام يبقى على عمومه، والمطلق يجري على إطلاقه حتى يأتي مخصص أو مقيد.
ومن هذه النصوص الصحيحة ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ".
رجب من الأشهر الحرم
أشار المفتي السابق إلى أن رجب من الأشهر الحرم التي ذكرها الله عز وجل في محكم التنزيل، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وهذه الأشهر هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، كما بينتها السنة المطهرة، حيث روى الإمامان البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأشهر الحرم.
توجيهات عملية للمسلمين
وختم علام بتوجيه عملي للمسلمين، مؤكدا أنه ينبغي أن يحرص المسلم على العمل بفضائل الأعمال التي منها صيام رجب سواء كله أو بعضه، ولو مرة واحدة في العمر، ليكون من أهل ذلك الفضل.
واستشهد بقول الإمام النووي في الأذكار: "اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة واحدة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه"، مستندا إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذَا أَمَرْتُكُمْ بشيءٍ فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطعْتُمْ".