في الحادي والعشرين من أكتوبر، وضع رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، اسم الدبلوماسية الإماراتية لانا نسيبة في قلب السباق على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، في خطوة وصفها المراقبون بأنها إعلان ترشيح يغيّر معادلة السباق الدولي بأكمله. الترشيح لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل رسالة من أبوظبي إلى العالم: أن الدبلوماسية الإماراتية، بنت البيت والتجربة، جاهزة لقيادة أعلى منصب دولي.
في رسالة رسمية نقلتها وكالة أنباء الإمارات (وام)، جاء الترشيح استناداً إلى «خبرتها العميقة في الأمم المتحدة، وحسن تقديرها في معالجة التحديات الدولية الراهنة، وسجلها في العمل البنّاء». ثلاث خصال تختصر مسيرة مهنية بُنيت من داخل المؤسسة الدولية ذاتها، لا من خارجها.
مسيرة صُنعت داخل بيت الأمم المتحدة
لانا نسيبة ليست وافدة جديدة على دهاليز الأمم المتحدة. فهي من أسّست إدارة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الإماراتية وترأستها مديرةً أولى لثلاث سنوات، قبل أن تمثل بلادها لدى الأمم المتحدة مندوبةً دائمة لأكثر من عقد كامل. وخلال عضوية الإمارات في مجلس الأمن بين عامي 2022 و2023، ترأست المجلس مرتين، وهي اليوم رئيسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women). وللتفرغ لهذا السباق، طلبت إجازة من مهامها الحكومية، في قرار يعبّر عن التزام كامل لا عن مجرد اختبار للمياه.
«الدبلوماسية الهادئة» التي تُنجز
في كلمة إطلاق حملتها، قالت نسيبة، بحسب ما نقلت صحيفة The Times of Israel: «لقد قضيتُ جزءاً كبيراً من حياتي المهنية عملاً داخل الأمم المتحدة وحولها، ورأيتُ بنفسي ما يمكن للدبلوماسية العازمة أن تحققه: دولٌ ذات خلافات عميقة تجد أرضية مشتركة، وتوافقٌ حيث قال الناس إن التوافق مستحيل».
وأضافت بعبارة جوهرية: «أتقدّم لمنصب الأمين العام لأنني أعتقد أن هذه لحظة للتحرك بدرجة أكبر من الإلحاح: أن نتحرك مبكراً، وأن نجمع الناس عبر الاختلافات، وأن ندفع العمل قدماً حتى يُثمر نتائج ملموسة».
هذه هي السمعة التي تحملها من نيويورك: هادئة، عازمة، وفعّالة على نحو استثنائي. وقد رصدت تغطيات أوروبية دخول السباق مرحلته الحاسمة معلّقةً على براعتها في «الدبلوماسية الهادئة» (quiet diplomacy) وفي فتح مساحات للتسويات السياسية الأوسع. وزير الخارجية البلغاري الأسبق والدبلوماسي المخضرم في الأمم المتحدة، نيكولاي ملادينوف، قالها بوضوح: «في مجلس الأمن فعلت ذلك بهدوء وثبات وبرعة مهنية عالية».
هي تصف نفسها بأنها «صاحبة مخاطرة سياسية من أجل السلام». أما بريت ماكغورك، كبير مستشاري الأمن القومي في إدارة بايدن، فقد لخّص فعاليتها بلغة النتائج، متسائلاً: «كيف أصبحت الإمارات أكبر مزوّد عالمي للمساعدات الإنسانية لغزة، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة؟»، ومجيباً: بفضل «دبلوماسية تعرف الجميع وتعمل معهم جميعاً».
زخم دبلوماسي على أربعة شواطئ
خريطة التأييدات تحركت بسرعة لم يعهد لها مثيل في الذاكرة الدبلوماسية الحديثة. ففي الثاني والعشرين من أكتوبر، أعلن مجلس التعاون الخليجي تأييد دوله الأعضاء بالإجماع لترشيحها. وتلاه خلال يوم واحد وزير خارجية قبرص، قسطنطينوس كومبوس، بقوله: «كنت أعتقد بثبات، وما زلت، أن الوقت قد حان لقيادة نسائية في المنظمات متعددة الأطراف المهمة». وفي غضون الأسبوع ذاته، رحّبت جزر المالديف بالترشيح. وفي لندن، أفادت Middle East Eye بأن المملكة المتحدة تميل إلى دعمها.
من الخليج إلى المتوسط إلى المحيط الهندي، تصطفّ الحكومات خلف مرشحة كان كثيرون يتوقعون أن تحتاج شهوراً لتتكتل حولها الأنصار، فوجدت طريقها في أيام معدودة.
سؤال الـ 81 عاماً
على مدى واحد وثمانين عاماً، لم تقُد الأمم المتحدة امرأةً قط، وهي فجوة كان هذا الاختيار، بموجب قرار الجمعية العامة ذاتها، مقدَّراً أن يسدّها. ولم يُنتخب للأمانة العامة سوى شخص واحد من الشرق الأوسط، هو المصري بطرس غالي، وذلك قبل ثلاثة عقود. ولاية لانا نسيبة ستغلق الفجوتين معاً، وباعتبارٍ لا يملكه منافس في هذا السباق: عمرٌ قضته داخل المؤسسة، تقود مجالسها، وترأس منظمتها الرائدة لشؤون المرأة، وتفي بوعودها الإنسانية.
قالت للدبلوماسيين في نيويورك: «لدينا لحظة في الزمن لإعادة بناء الثقة في هذه المؤسسة». واليوم، أمام مجلس الأمن مرشحة سبق أن أنجزت الأصعب مرتين: ترأست طاولتها، وحوّلت الدبلوماسية الهادئة إلى نتائج ملموسة. لحظة الأمم المتحدة القيادية الأولى امرأةً هي هذه اللحظة، والمرشحة هي لانا نسيبة، ابنة الإمارات وسفيرتها للعالم.