كشفت بيانات رسمية نقلتها وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية أن أسعار المستهلكين قفزت في سبتمبر بنحو 90% عن الشهر ذاته من العام السابق، فيما تسارع معدل التضخم السنوي إلى 73.6 بالمئة، بعد ثمانية أشهر من الحرب المستمرة مع الولايات المتحدة التي أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين من مائدة الطعام إلى الإيجار ومصاريف التعليم.
ووفق تقرير أعدته قناة العربية استناداً إلى شهادات جمعتها وكالة رويترز من أكثر من عشرين شخصاً في أنحاء إيران، اضطرت الأسر الإيرانية إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم، مع تآكل المداخيل تحت وطأة واحدة من أسوأ موجات التضخم التي شهدتها البلاد منذ عقود.
اقتصاد الحرب: حين تسبق الأسعار الأجور
لم تتجاوز آثار هذه الضغوط حدود المدن الكبرى. فالعمال يقولون إن الأجور لم تعد تكفي لتغطية النفقات الأساسية، والشركات تواجه ارتفاعاً في التكاليف وتراجعاً في الطلب، إذ بات الإيرانيون ينفقون معظم ميزانياتهم على الغذاء والإيجار والضروريات، وفق ما نقلت الشرق بلومبرغ عن تقرير رويترز.
ومحمود، موظف حكومي يبلغ من العمر 44 عاماً في مدينة أصفهان بوسط إيران، يجسد هذه الفجوة المتسعة بين الدخل والمعيشة.
قال محمود: 'لا يمكنني بمرتبي الذي يقل عن 100 دولار تدبير أموري سوى 10 أيام.. أنا وزوجتي نكذب على بناتنا طوال الوقت عندما يطلبن لعبة أو ملابس جديدة'.
وتظهر التقديرات الرسمية أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الشهرية لأسرة من الطبقة العاملة مكونة من ثلاثة أفراد يقارب 336 دولاراً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف متوسط الراتب الشهري البالغ نحو 92 دولاراً بسعر الصرف السائد في السوق الحرة. وبما أن الأجور لم تواكب معدل التضخم، استنفدت أسر كثيرة مدخراتها أو خفضت استهلاكها أو اقترضت لتغطية نفقاتها اليومية، وسرعان ما تجاوز ارتفاع الأسعار الزيادات في الأجور التي أدخلتها الحكومة.
اعتراف من وزير الاقتصاد وشهادات من الميدان
قدم وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زادة، أمس الثلاثاء، اعتذاراً للشعب بسبب الضغوط المتزايدة في تكاليف المعيشة، وأشار إلى أن المتقاعدين والعمال والموظفين المدنيين يتحملون العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار والتضخم المرتفع.
ومن مدينة مشهد في شمال شرق إيران، يقول محمد علي، صاحب متجر يبلغ من العمر 47 عاماً وأب لطفلين: 'ليس لدينا مال ولا مستقبل ولا أمل.. لقد سئمنا العيش في خوف.. الخوف من هجوم أميركي آخر ومن عدم قدرتنا على تغطية نفقاتنا في نهاية كل شهر'.
أما حميدة، أم لطفلين تبلغ من العمر 39 عاماً وتعيش في مدينة رشت في الشمال، فتروي كيف تحول التحدي من الحفاظ على مستوى المعيشة إلى تجنب الانهيار المالي.
قالت حميدة: 'اضطررنا إلى الانتقال إلى منزل والدي الشهر الماضي لأن زوجي فُصل من عمله في مصنع صغير للبلاط في مايو.. أنفقنا كل مدخراتنا، لكن زوجي لا يزال عاطلاً عن العمل ولم نعد قادرين على تحمل الإيجار'.
أرقام قياسية في الغذاء والإسكان والبطالة
البيانات الرسمية ترسم صورة قاسية. فأسعار المواد الغذائية والمشروبات ارتفعت 121.8% عنها قبل عام، مما أجبر أسراً كثيرة على خفض الإنفاق في مجالات أخرى. وبالنسبة للسكن، ارتفعت الإيجارات في سبتمبر بنسبة 32.8% عنها قبل عام، فيما زادت تكاليف السكن والمرافق والوقود بنحو 38%، وفق ما أوردت جريدة القدس في تغطيتها لما وصفته بـ'اقتصاد الحرب' في إيران.
وامتد الضغط إلى سوق العمل. فارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1% في الربيع، بزيادة 1.8 نقطة مئوية عن العام السابق، وانخفض معدل مشاركة القوة العاملة في الاقتصاد إلى 40.7%، وهو ما يشير إلى تراجع عدد الإيرانيين في سن العمل الذين يعملون أو يبحثون بنشاط عن عمل.
وفيروز، 23 عاماً، تعيش مع والديها في مدينة أورمية بشمال غرب إيران، وتخرجت في تخصص الإعلان. تقول: 'أبحث عن عمل منذ تخرجي، لكن بعد بحث لأشهر بدأت أفقد الأمل. الشركات تخفض ميزانياتها ولا توظف. معظم زملائي في الدراسة إما عاطلون عن العمل أو يعملون في مجالات لا علاقة لها بما درسوه'.
ما الذي يعنيه هذا للمنطقة؟
بالنسبة لدول الخليج، ومنها الإمارات التي بنت نموذجها على الانفتاح الاقتصادي والاستقرار المالي، تقدم التجربة الإيرانية درساً إضافياً في قيمة التنويع الاقتصادي وبناء اقتصادات مرنة تقاوم الصدمات الخارجية. فبينما تعتمد أسواق المنطقة على سياسات نقدية منضبطة ورؤية استراتيجية طويلة المدى، يكشف الجار الإيراني عن كلفة الاعتماد المفرط على مصدر واحد للدخل في ظل اضطراب الممرات التجارية.
فيما يبقى الملف الإيراني محل متابعة إقليمية ودولية، تشير تغطيات صحفية عربية إلى تصاعد القلق داخل المجتمع الإيراني من احتمال تجدد الاشتباكات، وسط شائعات لا تهدأ تهتز معها الأسواق مع كل إنذار، بحسب ما رصدت جريدة النهار.
خلفية الأزمة: من الضربات إلى انقطاع الصادرات
بدأ الصراع على أثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وتلاه إغلاق طهران مضيق هرمز والحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، مما عطل صادرات النفط والتجارة وإيرادات الحكومة، فيما فاقمت هذه الاضطرابات تأثير الأزمة الداخلية والعقوبات التي تعاني إيران تحت وطأتها منذ عقود.
ويمثل تدهور مستويات المعيشة تحدياً سياسياً متنامياً للسلطات الإيرانية، التي تخشى أن يؤدي تفاقم الأوضاع الاقتصادية إلى إشعال فتيل الاضطرابات من جديد، إذ غذت المظالم الاقتصادية موجات متكررة من الاحتجاجات في السنوات القليلة الماضية.
أسئلة شائعة
كم بلغ معدل التضخم السنوي في إيران؟
تسارع معدل التضخم السنوي إلى 73.6 بالمئة، فيما قفزت أسعار المستهلكين في سبتمبر بنحو 90% عن الشهر ذاته من العام السابق، وفق البيانات الرسمية.
ما نسبة ارتفاع أسعار الغذاء في إيران؟
ارتفعت كلفة المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 121.8% عنها قبل عام، بحسب البيانات الرسمية التي نقلتها وسائل الإعلام الحكومية.
ما معدل البطالة في إيران؟
ارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1% في الربيع، بزيادة 1.8 نقطة مئوية عن العام السابق.
